تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العروة الوثقى — صفحة 361

مساهمون:

ص٣٦١
هذه قبائل الأفغان عندما انحلت ثقتها بأميرها ، وصار الأمر إلى الأمة قامت كل عشيرة ، بل كل فرد للدفاع عن نفسه ، بعدما تمكنت عساكر الإنجليز في قلاعهم وحصونهم ، واستولت على قاعدة ملكهم ، وفتكوا بالعساكر الإنجليزية وهزموا قواتها وأجلوها عن بلادهم ، وهي ستون ألفًا من الجيوش المنتظمة ، المسلحة بأحدث الأسلحة ، واضطر الإنجليز أن يتركوا تلك البلاد لأهلها . لا ريب أنه يسهل على الإنسان أن يأخذ شخصًا واحدًا وأشخاصًا محصورين بالترغيب والتهديد ، ويتيسر له أن يقف على طباعهم ، ويدخل عليهم من مواقع أهوائهم ، ويأتيهم من أبواب رغائبهم ، لكن يتعسر بل يتعذر عليه أن يأخذ أمة بتمامها ، وعقولها مختلفة عليه نفوسها في وحشة منهم إلا بالإبادة والتدمير . من هذا نجد الملوك العظام لا يرهبون الاشتباك في حرب مع أمثالهم بل ومن هو أشد منهم قوة ولكنهم يفرقون ، بل تذهب أفئدتهم هواء إذا أحسوا بميل الأمة عنهم ، وما هذا إلا لأن قوة المغالبين داخلة تحت الضبط ، وأما آحاد وقواها فلا تضبط ولا يمكن مقاومتها إذا تغاضت وشحت بنفسها عن الذل لسواها . إن الأمراء كما يكونون في دور من أدوار الأمة قوى فعالة لنموها وعلوها وعظمتها واشتداد عضدها ، كذلك يكونون في بعض أطوارها علة فاعلة في سقوطها وهبوطها وانحلالها ، وإنا نخاف ، ولا حول ولا قوة إلا باللَّه ، أن يكون أمراؤنا والأعلون منا آلة لاضمحلالنا وفنائنا ، لما غلب عليهم من الترف والانهماك في اللذائذ ، والانكباب على الشهوات ، مع سقوط الهمة ، وتغلب الجبن ، والحرص والطمع على طباعهم ، إناللَّه وإنا إليه راجعون .