تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العروة الوثقى — صفحة 364

مساهمون:

ص٣٦٤
ومن نحو سنة ونصف أومأ اللورد دوفرين في تقرير كتبه بالقاهرة ، إلى أنه لا حاجة بالحكومة المصرية إلى السودان بل لا فائدة لها فيه ، وفهم الغرض في ذلك الوقت من أصابه ، وغفل عنه قوم آخرون اغترارًا بظواهر العبارات ، ثم لم يلبث الإيماء أن صار تصريحا رسميا وإلزامًا للحكوة المصرية أن تتخلى عن السودان . فلم يكن التلميح والتصريح ثم الإلحال والإلزام إلا ليهيئوا البلاد السودانية للدخول تحت سلطتهم في وقت من الأوقات لسبب من الأسباب التي لا يعجزون في اختراعها متى شاءوا ! ! هذا سير يعرفه من قرأ صفحة من تاريخ الإنجليز في الممالك الشرقية . تريد حكومة إنجلترا إذا عارضتها الدول في السيادة على مصر أن تنشىء لها سلطة في الخرطوم يمتد حكمها إلى جميع أراضي السودان وعساكرها الآن حالة في سواكن وما أسرع أن تصل بين المدينتين بالسكة الحديد فتكون القوة الإنجليزية بعد هذا محيطة بمصر من جميع الجوانب . وقفت على بابها من طرف الشمال في قبرص وطوقت حدودها من الغرب إلى الشرق في السودان وتحكمت في منابع النيل وتصرفت في أعلاه وأخذت كل طريق يمكن منه الاستيلاء على الديار المصرية ، وهنالك يرصد الإنجليز حركات الدول في أوروپا . فكلما أضاءت لهم بارقة فرصة مشوا فيها ، وإذا أظلمت عليهم قاموا فيتقدمون إلى مصر خطوة بعد خطوة ولا يبالون ، طال الزمان أو قصر ، فإنهم يعرفونها لهم على أي حال ، ولكنهم يتقون معارضة الدول في هذه الأوقات . هذه غايات سير الإنجليز في الحوادث المصرية وهي كما قالت ( الريبوبليك فرانسيز ) خيالات وأوهام إذا اشتدت الدولة العثمانية ورجال مصر في المطالبة بحقوقهم الشرعية والمحافظة على شؤونهم وأخذوا بالحزم وعقدوا العزم على مقاومة سعي الإنجليز في أوطانهم وديارهم بعدما ظهر لهم ماذا يقصدون بهم ، فإن تهاونت الدولة العثمانية أو تغافل المصريون حسبها الإنجليز طريقًا مطروقة وسبيلًا مسلوكة ، وعدوا مطامحهم حقائق ثابتة ومطالب مقررة ، لا نجح سعيهم ، ولا صدق ظنهم .