إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار
كيف يمكن لقوة أجنبية تصول على أمة من الأمم أن تسود عليها وتستعبدها وتذللها للعمل في منافعها مع التخالف في الطباع والعوائد والأفكار ، ووجود المقاومة الطبيعية ، فضلًا عن الإرادية . إن الوحشة المتمكنة في نفس كل واحد من الأمة ، وظن كل فرد أنه في خطر على روحه وماله إذا غلبه الغالبون ، تحمله على المدافعة كما يدافع عن بيته وحريمه ، فلا يتسنى للقوة المغيرة أن تذل الأمة إلا بإفنائها عن آخرها ، أو إفناء الأغلب حتى لا يبقى إلا العجزة والزمنى [ 1 ] . هذا أمر طبيعي وحكم بديهي متى كانت الغارة على الأمة ، نعم يسهل للقوة الأجنبية أن تتغلب على أمة عظيمة بدون تناحر إن كان لهذه الأمة حاكم أو رئيس روحي تجتمع عليه قلوبها ، وتدين له رقابها ، لمنزلة له في أفئدة أبنائها ، ولمكان آبائه من الكرامة في نفوسهم ، فلا تحتاج القوة الغالبة إلا لإيقاع الرعب في قلبه ، فيجبن ويقبل ما تحكم به ، أو نصب حبالة الحيل له فتخدعه بالأماني والآمال ، فيذعن لما تقضي به فإذا خضع للقوة الغريبة خضعت الأمة تبعًا له . ولهذا ترى طلاب الفتح وبغاة الغلب ينصبون قبل سوق الجيوش وقواد الجنود على قلوب الأمراء وأرباب السيادة في الأمة التي يريدون التغلب عليها فيخلعونها بالتهديد والتخويف ، أو يملكونها بالخدعة وتزيين الأماني ، فينالون بغيتهم ويأخذون أراضي الأمم ، وهذا الطريق هو الذي سلكه الإنجليز مع السلطان التيموري في الهند ، ولولا ما كان للهنديين من عقدة الارتباط بسلطانهم التيموري ، وقبض الإنجليز أول الأمر على تلك العقدة ، لما تيسر للبريطانيين أن يخضعوا الأمم الهندية في أحقاب طويلة .
هامش
[ 1 ] . شخص أزمن أي أتى عليه الزمان .