وفي مقدمتهم الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده - وشرح من كتب الفلسفة والكلام والمنطق والعرفان ما أعاد للحياة الفكرية قسمة العقلانية الممزوجة باللطائف القلبية والواجدانية ، تلك التي غابت عن الثقافة الإسلامية منذ عصر التراجع الحضاري للمسلمين . . ونشأت على يديه مدرسة في الصحافة الأهلية الحرة - غير الحكومية - وتيار شعبي لمعارضة الاستبداد الداخلي ، وللثورة على النفوذ الأجنبي - الاقتصادي والسياسي والعسكري والفكري - الزاحف على ديار الإسلام . . وكانت له - وهو الذي بلغ الذروة في البلاغة العربية - ريادة تجديد أساليب التعبير والتحرير للعربية - لسان الإسلام والقرآن - وتحريرها من ركاكة وسجع عصر الانحطاط . . بل لقد عرفت مصر والشرق على يديه وبقيادته ، طلائع التنظيمات السياسية - ( الحزب الوطني الحر ) - في تلك الفترة المبكرة من حياة ونشأة الأحزاب والجمعيات والتنظيمات . - وإذا كانت قوى الاستعمار الأوروپي وفي مقدمتها الاستعمار الإنجليزي - ومعها قوى الاستبداد الداخلي : ودوائر التقليد والجمود الفكري ، قد حولت حياة جمال الدين الأفغاني إلى سلسلة متصلة من ( النفي ) . . و ( تحديد الإقامة ) . . و ( رقابة الجواسيس ) . . و ( التآمر ) . . و ( التشريد ) . . فلقد حول الرجل هذه التحديات إلى إيجابيات ، فكانت سياحاته عبر أوطان العالم الإسلامي ، بل وفي المنافي خارج عالم الإسلام ، فتوحات فكرية وثورية ، جعلت كل سنوات حياته طاقات إيقاظ واستنارة وتحويل لشعوب الشرق وأمة الإسلام . . فمن منفاه - في پاريس - ومن غرفة شديدة التواضع ، فوق سطح أحد المنازل ، أصدر - مع الشيخ محمد عبده - جريدة « العروة الوثقى » ، لسان حال لجمعية « العروة الوثقى » - السرية - التي غطت ( عقودها - خلاياها ) أغلب بلاد الإسلام ، والتي استقطبت صفوة العلماء المجددين والأمراء والساسة المجاهدين . . فكانت هذه المجلة - التي عالجها الاستعمار بالمصادرة والتضييق بعد سبعة أشهر - ( 15 جمادى الأولى 1301 هجرية - 26 ذي الحجة 1301 هجرية - 13 مارس 1884 م - 16 أكتوبر 1884 م ) - صدر فيها ثمانية عشر عددًا . . كانت أهم مدارس الوطنية الإسلامية والبعث الحضاري الإسلامي ،
العروة الوثقى — صفحة 34
مساهمون: سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني
ص٣٤