تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العروة الوثقى — صفحة 33

مساهمون:

ص٣٣
التعصب المذهبي ، فتنازعت شرف انتسابه إليها كل مذاهب الأمة ، بينما ظل هو العقل الجامع لعناصر الوحدة الإسلامية ، والطاقة الخلاقة ليقظة الشرق ، كل الشرق ، بكل ما فيه من ملل ونحل ومذاهب وأقوام . . حتى أني لا أرى له نظيرًا - في هذا الميدان - بتراثنا الحضاري - إلا الإمام الحسن البصري ( 21 - 110 هجرية - 642 - 728 م ) الذي تتلمذ عليه كل أئمة عصره ، وخرجت من تحت عباءته كل مدارس ومذاهب وتيارات وثورات ذلك العصر ، وازدانت باسمه وبترجمته كل كتب الطبقات التي ترجمت لأئمة كل المذاهب والتيارات ! هكذا كان جمال الدين الأفغاني الذي شرفت وتشرف به كل أقاليم عالم الإسلام . . وشرفت وتشرف به كل مذاهب أمة الإسلام . . والذي أيقظ الشرق ، وترك بصماته الفكرية بكل ميادين الإحياء والتجديد لهذه الأمة ، منذ النصف الثاني للقرن التاسع عشر الميلادي وحتى وقتنا الراهن . - وإذا كان ما كتبه جمال الدين عن تاريخ بلاد الأفغان - ( تتمة البيان في تاريخ الأفغان ) - هو أقدم ما حفظ لنا التاريخ من تراثه الفكري . . وإذا كانت أماليه على محمد باشا المخزومي ( 1285 - 1348 هجرية 1868 - 1930 م ) - ( خاطرات جمال الدين الأفغاني ) - هي آخر أماليه - في الأستانة - حيث انتهى به العمر والمطاف . . فإن إبداعه الفكري وجهاده العملي قد غطى سائر بلاد وعواصم عالم الإسلام . . من الهند . . إلى مصر . . . إلى إيران . . إلى العرق . . إلى الأستانة . . إلى روسيا . . إلى الحجاز . . إلى أفغانستان . . إلى السودان . . وحتى لندن . . وپاريس . . ولهذه العالمية - التي جسدت عالمية الإسلام - أجاد جمال الدين من اللغات ، غير العربية والفارسية والأفغانية ، التركية ، والفرنسية ، مع إلمامه بالإنجليزية والروسية . ومع هذه العالمية ، كانت السنوات العشر التي عاشها جمال الدين بمصر ( 1288 - 1296 هجرية 1871 - 1879 م ) هي أخصب السنوات في تاريخ إنجازاته الفكرية والسياسية . . فيها ربى نخبة من العقول التي جددت فكر الإسلام وحياة المسلمين ،