الأولى والمرحمة الثانية لسرا عظيماً . للإنجليز في مصر مطامع من زمن قديم يعدون سلطتهم عليها من ضروريات شوكتهم في الهند ، وفي خلدهم أن المصريين لو كانت لهم ثروة مالية وقوة عسكرية عظيمة فإنهم يمانعون فيما يريدون ببلادهم ، فضيقوا على المالية في تلك الأوقات وألجئوا الحكومة لتمزيق قوتها العسكرية ليحصل الضعف في القوتين المالية والجندية فتمد لهم طريق ما طمحوا إليه . وكان هذا التدبير سببًا في الانقلاب الذي تبعته هذه الحوادث الهائلة وبعد ما فتح لهم بضعف الحكومة سبيل المداخلة في مصر طفقوا يسعون بما جبلوا عليه من الهوينا في المضي إلى مقاصدهم لإيجاد عنوان غير التملك يعنون به إقامة عساكرهم ومأموريهم في تلك البلاد زمنًا طويلًا ، ويكون وضع ذلك العنوان برأي الدول تملصاً من الوعد الذي وعدوها به مع ترقب حوادث السياسة في أوروپا لعل حادثة منها تساعدهم على إبدال العنوان بما هو المطلوب لهم ، ورأوا من أحسن الوسائل لدعوة الدول إليهم عرض المسألة المالية . ولما كان من المحتوم في آرائهم بقاء عساكرهم في الديار المصرية فلا بد من طلب وسيلة لطرد الجند المصري حتى تكون الحاجة إلى عساكرهم قائمة ، هذه طريقة ربما خفيت على المصريين وغفل عنها كثير من الأوروپيين إلا أنها من الطرق المتعارفة عند الإنجليز وهي التي سلكوها في البلاد الهندية ونالوا بسلوكها السلطة المطلقة على تلك الأقطار الواسعة بدون سفك دماء غزيرة ولا مقاومة فتن شديدة . دمر الإنجليز ( دخلوا بلا استئذان ) على الهنديين في أراضيهم وانبثوا بينهم فتمكنوا من تفريق كلمة الأمراء وإغراء كل نواب أو راجا بالاستقلال والانفصال عن السلطنة التيمورية فتمزقت المملكة إلى ممالك صغيرة ثم أغروا كل أمير بآخر يطلب قهره والتغلب على ملكه فصارت الأراضي الهندية الواسعة ميادين للقتال واضطر كل نواب أو راجا إلى المال والجنود ليدافع بها عن حقه أو يتغلب بها على عدوه فعند ذلك تقدم الإنجليز بسعة الصدر وانبساط النفس ومدوا أيديهم لمساعدة كل من المتنازعين وبسطوا لهم إحدى الراحتين ببدر الذهب وقبضوا بالأخرى على سيف الغلب . بدءوا قبل كل عمل بتنفير أولئك الملوك الصغار من عساكرهم الأهلية ورموها بالضعف والجبن والخيانة والاحتلال ثم أخذوا في تعظيم شأن جيوشهم الإنجليزية وقوادها وما هم عليه من القوة والبسالة والنظام حتى اقتنع كل نواب أو
العروة الوثقى — صفحة 329
مساهمون: سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني
ص٣٢٩