ديون القطر المصري ويكفلوا للدائنين أداء حقوقهم ويأخذوا على أنفسهم عهدة الإنفاق على الإدارات المصرية مدة من الزمان لترخص لهم الدول الإقامة في وادي النيل إلى أمد ، فيكون تفويض الدول حجة لهم في التصرف وإدارة شؤون الحكومة المصرية ما دام السلم مضلًا بلاد أوروپا ، فإذا حدث حادث حرب في الدول الأوروپية - وما هو ببعيد الوقوع - تربعوا في تلك البلاد وأناخوا بكلاكلهم وضربوا بجرانهم على أراضيها وألقوا عصاهم . هذا سر شفقة الإنجليز على المصريين وهو سرّ رغبتهم في وقوف المؤتمر عند شؤون المالية . هذه المصيبة العظمى والداهية الدهماء التي تتحفز لتنقض على المصريين ، هل تمس بحفيفها جانب ألمانيا ، كلا . فإن منافع ألمانيا الحقيقية لا تعلق لها بالمسائل المصرية وهي في الشغل بما هو أهم منها وليست دولة أستراليا بأقرب المصائب المصرية من ألمانيا على أن كلا من الدولتين ليس في استطاعتهما تأييد فكرها بالعمل ، لو مست الحوادث المصرية شيئًا من مصالحها فإن مواقع الدولتين لا تساعدهما على الإضرار بدولة الإنجليز ، أما إيطاليا فهي ساكنة الجأش بما تؤمل نواله في إفريقيا بمساعده إنجلترا ، نعم لهذا السيل الجارف تدفق على بيت محمد علي باشا فيخشى على أركان ذلك البيت لو لم يتدارك أمره ! ! أما الدولة العثمانية فلو حولنا النظر عن حقوقها الثابتة في الأراضي المصرية من وجوه كثيرة ، فليس يخفى علينا أن الولاية على تلك الأراضي هي الركن الأعظم للسلطة العثمانية في سوريا وقسم عظيم مما يتصل بها من آسيا الصغرى وفي الحجاز واليمن . فمن المفروض على العثمانيين أن يبذلوا وسعهم لصيانة مصر دفاعًا عن حقوقهم المقررة وحفظًا لشوكتهم في معظم ممالكهم ، ولا يسوغ لهم شرائع الملك أن يفرطوا في المسألة المصرية لا في جزئي منها ولا كلي ؛ فإن مصر عقدة تتصل بها أطراف السلطنة العثمانية ، فإذا انحلت ، فقد انحلت ( والعياذ باللَّه ) سائر العقد . ليس لعثماني أن يتوسد وسادة السيادة البسماركية الناعمة ، فإن الحاجات الطبيعية والدواعي الجوهرية هي الحاكمة على الأمم ولا اعتبار في السياسة بالأطوار العارضة ، ربما يهم بسمارك أن يشتري بمصلحة العثمانيين وداد الإنجليز لتأييد
العروة الوثقى — صفحة 332
مساهمون: سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني
ص٣٣٢