مصر
كانت حكومة هذه البلاد في الربع الأول من القرن الماضي ( الهجري ) تعد من نوع حكومة الأشراف ، ويحسبها المؤرخون في تلك الأوقات بدرجة لا تعرف هيئتها ولا يصل بحث الباحث إلى كنهها وإذا عبروا عنها بالتقريب قالوا : طرز قديم كان معروفًا في أغلب أنحاء المسكونة . ثم أعجب الدهر فيها بغرائبه بعدما فوضت أمورها لمحمد علي باشا ، فلم يمض قليل من الزمن حتى دخلت في طور جديد من أطوار المدنية وظهر فيها شكل بسيط من الحكومة النظامية وتقدمت فيه على جميع الممالك الشرقية بلا استثناء ، وعد هذا التقدم السريع من عجائب الأمور [ 1 ] . هل كان في حسبان أحد أن يستلم زمام الحكومة في مصر رجل من بعض قرى الرومللي لم يتربع في دروس العلم ولم يجبل في مصانع السياسة ، إلا أن طبيعته الفطرية كانت فائضة بحب الحضارة ، وبثّ العلوم ، وتأسيس قواعد العمران ، مع تدفق همته لبلوغ الغاية مما يميل إليه ؟ ! تقدمت بعد ذلك فيها الزراعة تقدمًا غريبًا ، واتسعت دائرة التجارة ، وعمرت معاهد العلم ، وانتشرت في أرجائها مبادئ المعارف الصحيحة ، وتقاربت أنحاؤها ، واتصلت أطرافها ، بما أنشىء فيها من سكك الحديد وخطوط التلغراف ، وتعارفت أهاليها ، وائتلف الجنوبي بالشمالي ، والشرقي بالغربي ، وقوي فيهم معنى الأخوة الوطنية ، بعد أن كانوا لبعد الشقة بين بلدانهم كأنهم أبناء أقطار مختلفة ، وتواصلوا
هامش
[ 1 ] . ترى ماذا كان يقول الأفغاني لو بعث من قبره ليتحدث عن المآسي التي خلّفها خلفاء محمد علي باشا وما كان من مهازل بلاط فاروق الأول ؟ !