تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العروة الوثقى — صفحة 240

مساهمون:

ص٢٤٠
في المعاملات ، وتشاركوا في المنافع ، واعتدلت المشارب المذهبية ، حتى كان لهم زمن أحسن فيه كل واحد بنسبته من الآخر ، وارتفعت بذلك أصواتهم ، بعدما جالت فيه أفكارهم . تفجرت من أرض مصر ينابيع الثروة ، وعمدت بقائها وطفحت ففاض خيرها على ما يجاورها من الأقطار الشرقية ، بل وصل مد نيلها إلى أراضي البلاد الغربية ، وتوارد إليها الغرباء ، وقصاد الكسب ، من كل مكان وما خاب لها قاصد ، ولا أخفق فيها سعي ساع ، فأثرى في مغانيها الفقراء ، وعز بها الأذلاء ، وصارت قبلة لآمال كثير من الغربيين ، ومحط رحال الراجين من الشرقيين ، وكل وافد إليها يجد أهلًا خيرًا من أهله ، وسكنًا خيرًا من سكنه ، وتكاثرت فيها العناصر الغريبة ، حتى كان الداخل إليها يخيل له أنه تحت برج بابل يوم تبلبلت الألسن . وساد بها الأمن وعمت الراحة ، وضارعت في كل أحوالها نوع ما عليه الممالك الأوروپية العظيمة ، وكان المتأمل في سيرها هذا يحكم حكمًا ربما لم يكن بعيدًا من الواقع ، أن عاصمتها لا بد أن تصير في وقت قريب أو كرسي مدنية لأعظم الممالك الشرقية ، بل كان ذلك أمرًا مقررًا في أنفس جيرانها من سكان البلدان المتاخمة لها وهو أملهم الكبير ، كلما ألم خطب أو عرض خطر ، غير أن الأيام كأنها حسدتها على ما منحته فعثر العاقل ، وفرط المالك وأعثر المعجب ، وتهور الغبي ، وخار الأفين ، فتقرب البعيد ، وبعد القريب ، ونزل بمصر ما لم يكن له أثر إلا حواشي طوامير الأوهام ، ولا حول ولا قوّة إلا بالله . ألحمت إدارة الحكومة بما ليس من نسيج سداها ، وانتفضت منها أصول على وجه غير مألوف ، ففتحت للدسائس أبواب وأنساب ، بين طبقات الناس ، دهاة سياسة ، وطلاب غايات ، فتفرق اتصال ، وتقطعت أوصال ، فضعفت السلطة الوازعة ، ونبذت الطاعة ، والتهبت نيران الفتن . قضاء حل بتلك البلاد ، فاحتاجت في إعادة شأنها الأول إلى قويم ، وعزم ثابت ، ووازع قوي ، تدين لسطوته النفوس ، وإن من ذوي الحقوق فيها من يجمع هذه الأوصاف ، وله من القلوب المكانة العليا ، وكان يسهل عليه القيام بما يعهد إليه ، لكن تحكم طمع وأخطأ ظن ، فتخلفت النتيجة ، واشتدت الحاجة .