تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العروة الوثقى — صفحة 228

مساهمون:

ص٢٢٨
المدافعة عن الوطن . أمرٌ طبيعي وفرض معاشي يكاتف في دعوة الطبيعة إليه الميل إلى الطعام والشراب فليس يمدح القائمون به ولا يثنى عليهم في أدائه . نعم تتجلى صورهم الجميلة محلاة بأوصافها الفاضلة في مزايا التواريخ عندما يمر النظر إليها على تماثيل الخائنين الذين جاوزوا تخوم الطبيعة وصيغت لهم هياكل من اللعن الأبدي مسربلة بالخزي والعار السرمدي هكذا يعرف الشيء بضده . لسنا نعني بالخائن من يبيع بلاده بالنقد ويسلمها للعدو بثمن بخس أو بغير بخس ( وكل ثمن تباع به البلاد فهو بخس ) بل خائن الوطن من يكون سببًا في خطوة يخطوها العدو في أرض الوطن ، بل من يدع قدمًا لعدو تستقر على تراب الوطن وهو قادر على زلزلتها ، ذاك هو الخائن في أي لباس ظهر وعلى أي وجه انقلب ، القادر على فكر يبديه ، أو تدبير يأتيه ، لتعطيل حركات الأعداء ثم يقصر فيه ، فهو الخائن من لم يستطع عملًا وأمكنه أن يرشد العامل وتهاون في النصيحة فقد خان من سوّف عمل اليوم إلى الغد ، وتوانى في تضليل كيد الأعداء بقول أو فعل ، فقد ارتكب خطيئة الخيانة ، وكل خائن لوطنه أو ملته فهو ملعون على ألسنة الأنبياء والمرسلين وممقوت في نظر العالم أجمعين . ما أعظم جريمة الخيانة ( المساهلة في شؤون الأوطان ) يأتي الزمان بطوله على كل شيء فيمحو أثره ويطمس رسمه إلّا وصمة الخيانة فلا تطويها الأدهار ولا يخفيها تطاول الأعصار . محيت أسماء العظماء والملوك والسلاطين ولكن لم تمح أسماء الخائنين . لوث على وجه الزمان ودرن في صفحة الإمكان مكتنفة باللعنة محفوفة بالمقت إلى أبد الآبدين . لا يحيط القلم بوصف الخائن وما يتبعه من الشنائع ولكن النفوس مهما تدانت في الإدراك تشعر بعظم جرمه فلنرجع إلى موضوع كلامنا . كنّا على يقين ولا نزال عليه ، أن الذات الشاهانية وهي الأب الأكبر لعموم المسلمين وهي الكافلة للشريعة الحافظة للدين هي أجدر الناس بالالتفات إلى حركة الأعداء في البلاد الإسلامية وهي لا تألوا جهدًا في تعويق سيرهم وإحباط أعمالهم ، ولا يمكن أن يطمئن للسلطان قلب وهو يرى أن أمة عظيمة من أخلص الأمم في الولاء له والخضوع لشوكته سقطت تحت السلطة الأجنبية ، وأنه لحرج الصدر من أعمال الحكومة الإنجليزية وعدوانها على الحقوق العثمانية والإسلامية
العروة الوثقى — صفحة 228 | سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني / الشيخ محمد عبده