تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العروة الوثقى — صفحة 229

مساهمون:

ص٢٢٩
والمصرية بلغت غشمرة الإنجليز إلى حد لا يحتمل ، فليس من الغريب أن تضيق بها الصدور وتفيض بالغيظ منها القلوب وتبلى منها دروع الصبر وتذوب سابغات الجلد . فيا أيها المصريون هذه دياركم وأموالكم وأعراضكم وعقائد دينكم وأخلاقكم وشريعتكم قبض العدو على زمام التصرف فيها غيلة واختلاسًا ، زحف العدو إليكم تحت راية المحبة ، ثم قلب لكم ظهر المجن ، وتناول بيده الظالمة شئونكم العامة ، من عسكرية ومالية وإدارة وقضاء ، ولم يبق لكم شيئًا إلا الحرمان من خدمة أوطانكم ، وأنتم أحق بها وطالما دافعتم عنها في الأيام السابقة ، هذا وهو لم يأمن طوارق السياسة الخارجية ولم يمح القوى الداخلية ، يطلب استمالة القلوب إليه ، وجمع النفوس عليه ، فكيف به إذا رسخت أقدامه ، وارتكزت أعلامه ، وخلا له الجو من المعارضين ؟ ! ماذا ترجون من مطاولته ، وماذا تؤملون في إرخاء العنان له ، وماذا تهابون في معارضته والأخذ على يده ؟ ! أما رجاء الخير منه فوهمٌ فاسد وخيال باطل ، فقد رأيتم أنه أفسد شئونكم ، وأقلق راحتكم ، وحرم رجالكم من الخدم ، وأفقر آلافًا مؤلفة من العائلات ، ووهب من بلادكم لأعدائكم وأضرّ بمنافعكم العامة من زراعة وتجارة وصناعة فأغلق أبواب الكسب في وجوهكم ، وقصد إلى التدخل فيما يختص بأمور دينكم ( كالأوقاف ) ، وعمد إلى خرق سياجكم وإزالة قوتكم بطرد جنودكم وهذه أوائل أعماله فكيف تكون نهايتها . فماذا تخشون منه ؟ هل تخشون أن تنقص أموالكم ، وثمرات كسبكم إذا أديتم حقوق وطنكم وحاربتم عدوكم ؟ ! ربما يختلج هذا بخاطر بعضكم ، وهو من عجيب الخواطر ، أنتم واقعون بسكونكم فيما تخافون منه ، انتقصت الأموال والثمرات ، وفاضت العبرات وزادت الحسرات ، وإن زدتم في الخضوع زادكم عدوكم خسارًا وأوسعكم خرابًا ودمارًا ، إن رسخت قدم العدو بينكم لا يبقي منكم غني إلا افتقر ، ولا عظيم إلا احتقر ، وإن شئتم فانظروا مستقبلكم في مرآة حاضركم ، وأقرءوا حالكم في تواريخ من سبقكم . هل تخشون إذا قمتم بفروضكم أن يأتي الخطر على حياتكم ؟ ! يمكن أن يعرض هذا الوهم بخيال طائفة منكم ، ولكن فلتعلموا أن عدوكم في هذا الوقت ضعيف
العروة الوثقى — صفحة 229 | سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني / الشيخ محمد عبده