تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العروة الوثقى — صفحة 231

مساهمون:

ص٢٣١
يا قوم يؤثر في كتبكم من كلام سلفكم : الشجاع محبب حتى لعدوه ، والجبان مبغض حتى لأبيه وأمه ، تعلمون أنه ما عز قوم بالخضوع ولا استهين شعب بالإباء ، لماذا تعدون أنفسكم في الدرجة الدنيا عمّن سواكم ؟ ! ألستم تتشابهون في الخلقة مع أعدائكم ؟ ! ألستم تمتازون عنهم بالإيمان الصادق ، والعقائد الصحيحة ؟ ! ألستم تنتسبون إلى أولئك الأبطال الذين دوخوا البلاد وسادوا العباد ؟ ! ألستم تدعون أنكم أشرف عنصرًا وأكرم جوهرًا فإن قمتم بطلب حقوقكم فهل يصيبكم أكثر مما يصيب أعداءكم ، إن كان الموت فهم يخشونه ، إن كان الخسار فهم يرهبونه ، إنهم يألمون كما تألمون ، وترجون من الله ما لا يرجون . لأي شيء يخاطر عدوكم بماله ودمه للتغلب على ما ليس له ؟ ولأي سبب لا تقدمون بشيء من شهامتكم في حفظ ما هو لكم ؟ ! إن هذا لشيء عجاب ، هل نذكركم بقول شاعركم :
لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى * حتى يراق على جوانبه الدم
ليس هذا مقام التذكير وليس المكان مكان المباراة في المجد والمسابقة إلى معالي الأمور ، إنما الكلام الآن في الدفاع عن الحياة وصيانة ضروريات المعيشة ، فإن لم يستفزكم طلب العلا وسمو الهمم فليستفزكم تصور الشقاء المنتظر ، الذي رأيتم بوادره ونعوذ بالله أن تدرككم أواخره . أستغفر الله ، تزال ترجى فيكم النجدة والشمم والرفعة ، لا يزال دينكم يترقب منكم حمية عليه وغيرة لدفع الغائلة عنه . إن صاحب الدين صلى الله عليه وسلم ينتظر فيما يعرض عليه من أعمالكم نهضة لإعلاء كلمة الحق وإنقاذه من مخالب أعدائه وإن الله في عزة جبروته لن يدعكم على ما أنتم عليه حتى يعلم الصادقين منكم ويعلم الصابرين : « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصارَ اللَّهِ » [ الصف : 14 ] ، « وَلا تَهِنُوا ولا تَحْزَنُوا وأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ » [ آل عمران : 139 ] . * * *
العروة الوثقى — صفحة 231 | سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني / الشيخ محمد عبده