يرجع إلى الخوف من الموت ، الموت مآكل كل حي ومصير كل ذي روح ، ليس للموت وقت يعرف ، ولا ساعة تعلم ، ولكنه فيما بين النشأة وأرذل العمر ينتظر في كل لحظة ، ولا يعلمه إلا مقدر الآجال جلّ شأنه : « وَما تَدْرِي نَفْسٌ ما ذا تَكْسِبُ غَداً وما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ » [ لقمان :
34 ] . يشتد الخوف من الموت إلى حد يورث النفس هذا المرض القاتل بسبب الغفلة عن المصير المحتوم ، والذهول عمّا أعدّه الله للإنسان من خير الدنيا وسعادة الآخرة إذا صرف قواه الموهوبة فيما خلقت لأجله ، نعم يغفل الإنسان عن نفسه فيظن ما جعله الله واقيًا للحياة - وهو الشجاعة والإقدام - سببًا في الفناء ، يحسب الجاهل أن في كل خطوة حتفًا ، ويتوهم أن في كل خطوة خطرًا ، مع أن نظرة واحدة لما بين يديه من الآثار الإنسانية ، وما ناله طلاب المعالي من الفوز بآمالهم ، وما ذللوا من المصاعب في سيرهم ، تكشف له أن تلك المخارف إنما هي أوهام وأصوات غيلان ، ووساوس شياطين ، غشيته فأدهشته ، وعن سبيل الله صدّته ، ومن كل خير حرمته . الجُبن فخ تنصبه صروف الدهر وغوائل الأيام ، لتغتال به نفوس الإنسان ، وتلتهم به الأمم والشعوب . هو حيالة الشيطان يصيد بها عباد الله ويصدهم عن سبيله ، هو علة لكل رذيلة ، ومنشأ لكل خصلة ذميمة ، لا شقاء إلا وهو مبدؤه ، ولا فساد إلا وهو جرثومته ، ولا كفر إلا وهو باعثه وموجبه ، ممزق الجماعات ، ومقطع روابط الصلات ، هازم الجيوش ، ومنكس الأعلام ، ومهبط السلاطين من سماء الجلالة إلى أرض المهانة . ماذا يحمل الخائنين على الخيانة في الحروب الوطيسة ، أليس هو الجبن ؟ ماذا يبسط أيدي الأدنياء لدنيئة الارتشاء ، أليس هو الجبن ؟ ربما تتوهم بعد المثال ، فتأمل ، فإن الخوف من الفقر يرجع الحقيقة إلى الخوف من الموت ، وهو علّة الجبن . سهل عليك أن تعتبر هذا في الكذب والنفاق وسائر أنواع الأمراض المفسدة لمعيشة الإنسان ، الجبن عارو شنار على كل ذي فطرة انسانية خصوصا الذين يؤمنون بالله ورسله واليوم الآخر ، ويؤملون أن ينالوا جزاء لأعمالهم أجرًا حسنًا ومقامًا كريمًا . ينبغي أن يكون أبناء الملة الإسلامية بمقتضى أصول دينهم أبعد الناس عن هذه الصفة الرديئة ( الجبن ) ، فإنها أشدّ الموانع عن أداء ما يرضي الله وإنهم لا يبتغون إلا رضاه . يعلم قراء القرآن أن الله قد جعل حب الموت علامة الإيمان ، وامتحن الله به
العروة الوثقى — صفحة 225
مساهمون: سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني
ص٢٢٥