تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العروة الوثقى — صفحة 230

مساهمون:

ص٢٣٠
العزيمة خائر القوة ، الدول متألبة عليه يترقب منها في كل آن مطالبته بنتائج أعماله ومحاسبته على عواقب تصرفه ، ثم هو يخشاكم كما يخشى الدول أو أشد خشية . إنه مسرع في سيره منطلقًا إلى مقصده بغاية ما يمكنه ليتخذ لنفسه قرارًا مكينًا ، ومقرا أمينًا ، ولا يخفى عليكم أن المسرع في جريه يكبه على وجهه عثرة في مدرة ، فلو ظهرت منكم في هذا الوقت مقاومة خفيفة ، أو مؤاخذة طفيفة ، أو تظاهرتم بالنفرة وعدم الرضاء عن سيره فيكم ، وجهرتم بذلك لرأيتم أن ماءه سراب ، وسحابه جهام ، وسيفه كهام ، وأوقفتم سيره واستعليتم بقوتكم على ضعفه ، وأقمتم للدول حجة قوية في كبحه ورد جماحه ، وإلزامه باحترام الحقوق العامة والخاصة ، ونزع قوة العمل من يد استبداده ، وتخويلها لسلطة تحفظ بها الموازنة بين حقوقكم وحقوق أورورپا كافة . أما لو تركتم عدوكم حتى ينتهي لمقره ، ويقوى على أمره ، ويدوخ السودان ، ويحيط بجيوشه أعالي البلاد المصرية - لا أناله الله ذلك - صعب بعد هذا تعريفه بقدره ، وإيقافه عند حده ، وضعفت حجة الدول في معارضته . إن أقوم حجة للدول عليه هي عجزه عن القيام بما كتب على نفسه من تقرير الراحة وإصلاح ما كان يظن من الخلل في مصر فلو تمكن عدوكم بسكونكم من إظهار قدرته وإقامة الدليل على كفاءته للولاية عليكم فقد فاز بالسيادة فيكم وأصبحت دماؤكم وأموالكم وجميع شؤون حياتكم في قبضة جوره . في إمكانكم الآن أن تضروا بعدوكم وليس في إمكانه أن يضرّ بكم ، فإذا مضى زمن انعكست القضية وأصبحتم في عجز عن مقاومته وأصبح وفي يده عصى الجبروت لإذلالكم . إن كنتم تخافون من الموت أو التذليل فهل هو الآن على بعد منكم ؟ ! أليس يؤخذ منكم الأبرياء بالشبه الباطلة ، ويهانون ويذلون وكثير منهم يقتلون ؟ ! إن عدوكم هذا سيحاسبكم على خطرات قلوبكم وحركات دمائكم في أبدانكم ويفعل بإخوانكم في ديار غير دياركم ، ثم لا يبقي على أحد منكم . فأنتم اليوم أصحاب أمركم وهذا قصده إليكم وفي إمكانكم أن تستعينوا الله في التحصن من خطر آجل ، بدون ضرر عاجل فإن شئتم فارحموا أنفسكم ، وإلا فأنتم ساقطون ، فيما منه تخافون .