السالك في جده ، فما العلة في إخلاد الجمهور الأعظم من بني الإنسان إلى دنيات المنازل وقصورهم عن الوصول إلى ما أعدته لهم العناية ويستفزهم إليه الميل الغريزي ، خصوصًا إن كانت النفوس مؤمنة بعدل الله ، مصدّقة بوعده ووعيده ، ترجو ثوابًا على الباقيات الصالحات ، وتخشى عقابًا على ارتكاب الخطيئات ، وتعترف بيوم العرض الأكبر ، يوم تجزى كل نفس بما كسبت « فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ ( 7 ) ومَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ » [ الزلزلة : 7 ، 8 ] . ماذا يقعد بالنفوس عن العمل ؟ ! ماذا ينحدر بها في مزالق الزلل ؟ إذا ردت المسببات إلى أسبابها ، وطلبت الحقائق من حدودها ورسومها وجدنا لهذا علّة هي أم العلل ومنشأ يقرن به كل خلل : « الجبن » . الجبن هو الذي أوهى دعائم الممالك فهدم بناءها ، هو الذي قطع روابط الأمم فحل نظامها ، هو الذي أوهن عزائم الملوك فانقلبت عروشهم ، وأضعف قلوب العالمين فسقطت صروحهم ، هو الذي يغلق أبواب الخير في وجوه الطالبين ، ويطمس معالم الهداية عن أنظار السائرين ، يسهل على النفوس احتمال الذلة ، ويخفف عليها مضض المسكنة ، ويهون عليها حمل نير العبودية الثقيل ، يوطن النفس على تلقي الإهانة بالصبر والتذليل بالجلد ويوطىء الظهور الجاسية لأحمال من المصاعب أثقل مما كان ، يتوهم عروضه عند التحلي بالشجاعة والإقدام ، الجبن يلبس النفس عارًا دون القرب منه موت أحمر عند كل روح زكية وهمة عليّة ، يرى الجبان وعر المذلات سهلا ، وشظف العيش في المسكنات رفها ونعيما .
ومن يهن يسهل الهوان عليه * ما لجرح بميت إيلام
لا بل يتجرع مرارات الموت في كل لحظة ولكنه راض بكل حال وان لم يبق له إلا عين تبصر الأعداء ، ولا ترى الأحياء ، ونفس لا يصعد إلا بالصعداء وإحساس لا يلم به إلا ألم اللأواء . هذه حياته : أضاع كل شئ في القناعة بلا شيء وهو يظن أنه أدرك البغية ، وحصل المنية . ما هو الجبن ؟ انخذال في النفس عن مقاومة كل عارض لا يلائم حالها ، وهو مرض من الأمراض الروحية ، يذهب بالقوة الحافظة للوجود التي جعلها الله ركنًا من أركان الحياة الطبيعية ، وله أسباب كثيرة لو لوحظ جوهر كل منها لرأينا جميعها