إن سكنة مصر كانوا أيام عرابي على قسمين ، قسم يروم حفظ الحالة القديمة والوقوف عندما يرسم به توفيق باشا ، وقسم كان يميل بأحد جانبيه إلى عرابي ، ويهاب بالجانب الآخر سلطة الرسم القديم ، فكان هذا القسم الثاني في ريبة من أمره ولا عزيمة من الريب . والقسم الأول مخلد إلى الفشل ، فدخل الإنجليز بلا حرب حقيقية وإنما بنوع من الترهيب وقليل من الترغيب وخفيف من الدسائس ، صادف قلوبًا مستعدة فأخذ منها مقامًا ، فانحلت الرابطة وتفرّق الناس عن عرابي بزوال جانب الميل إليه من قلوبهم . ومع ذلك ما كان يعتقد واحد منهم أن الإنجليز يبتغون من البلاد شيئًا سوى أنهم يؤيدون توفيق باشا وينقذونه من الثائرين عليه ، فتساهل المصريون في الأمر بحسن ظنهم في حكومة الإنجليز مع ما جاءتهم من الحجة القوية القائمة على أن صاحب السيادة الشرعية في رضاء عن تصرفها ، بهذا فاز الإنجليز واستقرت أقدامهم ، أما وقد مضى الزمان الكافي لظهور غدرهم ، وسوء نيّتهم ، فلا يوجد من الأهالي المصريين من يميل إليهم ، بل لا يوجد إلا من يبغضهم ويتمنى فناءهم ، ويود لو يعمل عملًا لهلاكهم ، ولكن الوهم يجسم المخافة ويكبح العزيمة . إن أهالي مصر كأنهم ذهلوا عن الإسباب التي مكّنت الإنجليز من بلادهم ، كأنهم يظنون أن المصريين كانوا على كلمة واحدة في مدافعة الإنجليز ، ثم تغلبت عليهم القوة الإنجليزية وقهرتهم جميعًا . كأن المصريين نسوا ما كان بينهم وأن الإنجليز ما دخلوا بلادهم إلا بمعونتهم . هذا هو الوهم العجيب . إن الذين كانوا من مدة سنتين سببًا في تغلّب العساكر الإنجليزية وحلولها في وادي النيل وأنه لولا هم ما استقرلها قدم فيه ، يظنون الآن أن تلك العساكر قادرة على قهر الأهالي عمومًا وإخضاعهم لحكومة بريطانيا . وبهذا الظن الباطل يستسلمون لأعدائهم كرهًا ويجارونهم في أهوائهم نفاقًا . هلا ينظر المصريون نظرة متأمل إلى القوة الإنجليزية ليعلموا أن ليس في طاقة بريطانيا لو أفرغت جهدها أن تبعث إلى مصر والسودان أزيد من عشرين ألف جندي . ألا يعلمون أنه إذا اشتغل الجند الإنجليز بالسودان وحصلت حركة خفيفة في الشرقية والبحيرة والفيوم لا رتبك الإنجليز وخارت عزائمهم والتجأوا لترك البلاد لأهلها . ألا قاتل الله الوهم . إن للإنجليز قوة حربية بحرية لا تنكر ، ولكن مبلغ تلك القوة البحرية هو الذي
العروة الوثقى — صفحة 221
مساهمون: سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني
ص٢٢١