تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العروة الوثقى — صفحة 214

مساهمون:

ص٢١٤
هكذا جعل الله بقاء الأمم ونماءها في التحلي بالفضائل التي أشرنا إليها ، وجعل هلاكها ودمارها في التخلي عنها ، سنّة ثابتة لا تختلف باختلاف الأمم ، ولا تتبدل بتبدل الأجيال ، كسنته تعالى في الخلق والإيجاد ، وتقدير الأرزاق وتحديد الآجال ، علينا أن نرجع إلى قلوبنا ، ونمتحن مداركنا ، ونسبر أخلاقنا ، ونلاحظ مسالك سيرنا ، لنعلم هل نحن على سيرة الذين سبقونا بالإيمان ، هل نحن نقتفي أثر السلف الصالح ، هل غيّرالله ما بنا قبل أن نغيّر ما بأنفسنا ، وخالف فينا حكمه وبدّل في أمرنا سنته ، حاشاه وتعالى عمّا يصفون ، بل صدقنا الله وعده ، حتى إذا فشلنا وتنازعنا في الأمر وعصيناه من بعد ما أرى أسلافنا ما يحبون ، وأعجبتنا كثرتنا فلم تغن عنّا شيئًا ، فبدّل عزنا بالذل ، وسمونا بالانحطاط ، وغنانا بالفقر ، وسيادتنا بالعبودية ، نبذنا أوامر الله ظهريا ، وتخاذلنا عن نصره ، فجازانا بسوء أعمالنا ، ولم يبق لنا سبيل إلى النجاة سوى التوبة والإنابة إليه ، كيف لا نلوم أنفسنا ونحن نرى الأجانب عنّا يغتصبون ديارنا ، ويستذلون أهلها ، ويسفكون دماء الأبرياء من إخواننا ، ولا نرى في أحد منّا حراكًا . هذا العدد الوافر والسواد الأعظم من هذه الملة لا يبذلون في الدفاع عن أوطانهم وأنفسهم شيئًا من فضول أموالهم ، يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة ، كل واحد منهم يود لو يعيش ألف سنة ، وإن كان غذاؤه الذلة وكساؤه المسكنة ، ومسكنه الهوان ، تفرقت كلمتنا شرقًا وغربًا ، وكاد يتقطع ما بيننا ، لا يحن أخٌ لأخيه ، ولا يهتم جار بشأن جاره ، ولا يرقب أحدنا في الآخر إلّا ولا ذمة ، ولا نحترم شعائر ديننا ، ولا ندافع عن حوزته ، ولا نعززه بما نبذل من أموالنا وأرواحنا حسبما أمرنا . أيحسب اللابسون لباس المؤمنين أن الله يرضى منهم بما يظهر على الألسنة ولا يمسّ سواد القلوب ؟ ! هل يرضى الله عنهم بأن يعبدوه على حرف ، فإن أصابهم خير اطمأنوا به ، وإن أصابتهم فتنة انقلبوا على وجوههم خسروا الدنيا والآخرة ؟ ! هل ظنوا أن لا يبتلى الله ما في صدورهم ، ولا يمحص ما في قلوبهم ؟ ! ألا يعلمون أن الله لا يذر المؤمنين على ما هم عليه حتى يميّز الخبيث من الطيب ، هل نسوا أن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم للقيام بنصره وإعلاء كلمته ، لا يبخلون في سبيله بمال ، ولا يشحون بنفس ؟ ! فهل لمؤمن بعد هذا أن يزعم نفسه مؤمنًا وهو لم يخط خطوة في سبيل الإيمان ، لا بماله ولا بروحه ؟ !
العروة الوثقى — صفحة 214 | سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني / الشيخ محمد عبده