تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العروة الوثقى — صفحة 213

مساهمون:

ص٢١٣
كلمة تسمع ، ولا أمر يطاع ، حتى إن الباقين من ملوكها يصبحون كل يوم في ملمة ، ويمسون في كربة مدلهمة ، ضاقت أوقاتهم عن سعة الكوارث التي تلم بهم ، وصار الخوف عليهم أشدّ من الرجاء لهم . هذه هي الأمة التي كانت الدول العظام يؤدين لها الجزية عن يد ، وهو صاغرات ، استبقاء لحياتهن ، وملوكها في هذه الأيام يرون بقاءهم في التزلّف إلى تلك الدول الأجنبية ويا للمصيبة ويا للرزية . أليس هذا بخطب جلل ، أليس هذا ببلاء نزل ؟ ما سبب هذا الهبوط ، وما علّة هذا الانحطاط ؟ هل نسيء الظن بالوعود الإلهية ؟ معاذالله ، هل نستيئس من رحمةالله ونظن أن قد كذب علينا ؟ ونعوذ بالله ! هل نرتاب في وعده بنصرنا بعد أن أكده لنا ؟ حاشاه سبحانه ، لا كان شيء من ذلك ولن يكون ، فعلينا أن ننظر لأنفسنا ولا لوم لنا إلا عليها ، إن الله تعالى برحمته قد وضع لسير الأمم سننًا متبعة ، ثم قال : « وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا » [ الأحزاب : 62 ] . أرشدنا سبحانه في محكم آياته إلى أن الأمم ما سقطت من عرش عزها ، ولا بادت ومحى اسمها من لوح الوجود ، إلا بعد نكوبها عن تلك السنن التي سنّها الله على أساس الحكمة البالغة ، إن الله لا يغيّر ما بقوم من عزة وسلطان ، ورفاهة وخفض عيش وأمن وراحة ، حتى يغيّر أولئك القوم ما بأنفسهم من نور العقل وصحة الفكر ، وإشراق البصيرة والاعتبار بأفعال الله في الأمم السابقة والتدبر في أحوال الذين جاروا عن صراط الله فهلكوا وحلّ بهم الدمار ، ثم لعدولهم عن سنّة العدل ، وخروجهم عن طريق البصيرة والحكمة ، حادوا عن الاستقامة في الرأي ، والصدق في القول ، والسلامة في الصدر ، والعفة عن الشهوات ، والحمية على الحق ، والقيام بنصره ، والتعاون على حمايته ، خذلوا العدل ولم يجمعوا همهم على إعلاء كلمته ، واتبعوا الأهواء الباطلة ، وانكبوا على الشهوات الفانية ، وأتوا عظائم المنكرات ، خارت عزائمهم ، فشحوا ببذل مهجهم في حفظ السنن العادلة ، واختاروا الحياة في الباطل على الموت في نصرة الحق ، فأخذهم الله بذنوبهم وجعلهم عبرة للمعتبرين .
العروة الوثقى — صفحة 213 | سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني / الشيخ محمد عبده