تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العروة الوثقى — صفحة 217

مساهمون:

ص٢١٧

الوهم

( اللّهم اكشف عن بصائرنا ستار الأوهام حتى نرى الحقائق كما هي كيلا نضل ونشقى ) . ألا قاتل الله الوهم ، الوهم طورًا يكون مرآة المزعجات ، مجلى المفزعات ، وطورًا يكون ممثلًا للمسرات ، حاكيًا للمنعشات ، وهو في جميع أطواره حجاب الحقيقة ، وغشاء على عين البصيرة ، لكن له سلطان على الإرادة وحكم على العزيمة ، فهو مجلبة الشر ، ومنفاة الخير . الوهم يمثل الضعيف قويا ، والقريب بعيدًا ، والمأمن مخافة ، والموئل مهلكًا ، الوهم يذهل الواهم عن نفسه ، ويصرفه عن حسه ، يخيل الموجود معدومًا ، والمعدوم موجودًا ، الواهم في كون غير موجود ، وعالم غير مشهود ، يخبط فيه خبط المصروع ، لا يدري ماذا أدركه وماذا تركه . الوهم روح خبيث يلابس الروح الإنسانية وهي في ظلام الجهل ، إذا خفيت الحقائق تحكمت الأوهام ، وتسلطت على الإرادات ، فتقود الواهمين إلى بيداء الضلالة ، فيخبطون في مجاهيل ، لا يهتدون إلى سبيل ، ولا يستقيمون على طريق . كان الإنجليز أمة مجتمعة القوى ، مستكملة العدد مستعدة للفتوحات ، وذلك في زمان بليت فيه الأمم الشرقية بتفريق الكلمة ، واختلاف الأهواء ، وحجبت بالجهل عن معرفة أحوال الغربيين وصنائعهم وعوائدهم ، فكان الشرقيون يعدون كل غريبة معجزة ، وكل بديع من الاختراع سحرًا أو كرامة ، فانتهز الإنجليز تلك الفرصة واندفعوا إلى الشرق وبسطوا سلطتهم على غالب أرجائه ، وما دهموا سكانه إلا ببعض غرائب الصنعة الأوروپية التي أثارت فيهم خواطر الأوهام ، ثم زاد الوهم
العروة الوثقى — صفحة 217 | سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني / الشيخ محمد عبده