تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العروة الوثقى — صفحة 212

مساهمون:

ص٢١٢
محكم الآيات مما لا يقبل تأويلا ، ولا ينال هذه الآيات بالتأويل إلا من ضلّ عن السبيل ، ورام تحريف الكلم عن مواضعه ، هذا عهده إلى تلك الأمة المرحومة ، ولن يخلف الله عهده ، وعدها بالنصر والعزة وعلو الكلمة ، ومهّد لها سبيل ما وعدها إلى يوم القيامة ، وما جعل لمجدها أمدًا ، ولا لعزتها حدا . هذه أمة أنشأها الله عن قلة ، ورفع شأنها إلى ذروة العلى ، حتى ثبتت أقدامها على قنن الشامخات ، ودكت لعظمتها عوالي الراسيات ، وانشقت لهيبتها مرائر الضاريات ، وذابت للرعب منها أعشار القلوب ، هال ظهورها الهائل كل نفس وتحيّر في سببه كل عقل ، واهتدى إلى السبب أهل الحق فقالوا : قوم كانوا مع الله فكان الله معهم ، جماعة قاموا بنصرالله واسترشدوا بسنته فأمدهم بنصر من عنده ، هذه أمة كانت في نشأتها فاقدة الذخائر ، معوزة من عنده ، هذه أمة كانت في نشأتها فاقدة الذخائر ، معوزة من الأسلحة وعدد القتال ، فاخترقت صفوف الأمم واختطت ديارها ، ولا دفعتها أبراج المجوس وخنادقهم ، ولا صدتها قلاح الرومان ومعاقلهم ، ولا عاقها صعوبة المسالك ، ولا أثر في همتها اختلاف الأهوية ، ولا فعل في نفوسها غزارة الثروة عند من سواها ، ولا راعها جلالة ملوكهم ، وقدم بيوتهم ، ولا تنوع صنائعهم ، ولا سعة دائرة فنونهم ، ولا عاق سيرها أحكام القوانين ، ولا تنظيم الشرائع ، ولا تقلب غيرها من الأمم في فنون السياسة ، كانت تطرق ديار القوم فيحتقرون أمرها ، ويستهينون بها ، وما كان يخطر ببال أحد أن هذه الشرذمة القليلة تزعزع أركان تلك الدول العظيمة ، وتمحو أسماءها من لوح المجد ، وما كان يختلج بصدر أن هذه العصابة الصغيرة تقهر تلك الأمم الكبيرة ، وتمكن في نفوسها عقائد دينها ، وتخضعها لأوامرها وعاداتها وشرائعها ، لكن كان كل ذلك ونالت تلك الأمة المرحومة على ضعفها ، مالم تنله أمة سواها ، نعم قوم صدقوا ما عاهدوا الله عليه فوفاهم أجورهم مجدًا في الدنيا ، وسعادة في الآخرة . هذه الأمة يبلغ عددها اليوم زهاء أربعمائة مليون من النفوس ، وأراضيها آخذة من المحيط الأطلسي إلى احشاء بلاد الصين ، تربة طيبة ، ومنابت خصبة ، وديار رحبة ، ومع ذلك نرى بلادها منهوبة ، وأموالها مسلوبة ، تتغلب الأجانب على شعوب هذه الأمة شعبًا شعبًا ، ويتقاسمون أراضيها قطعة بعد قطعة ، ولم يبق لها
العروة الوثقى — صفحة 212 | سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني / الشيخ محمد عبده