ليس من الممكن للروسية أن تستولي على الأقطار الهندية استيلاء مطلقًا لأول وهلة فإن البلاد واسعة أطرافها شاسعة تحتاج في إداراتها والمحافظة عليها إلى ملايين من الناس يعسر عليها جذبهم من بلادها البعيدة ، نعم إن الإنجليز تسلطوا على الهند ولكن في أحقاب ، فدولة روسيا ملجأة بحكم الضرورة إلى تشكيل ممالك في الهند يديرها رجال من العلائلات الملكية القديمة من أولاد سلاطين المغول وذرية سيبو سلطان وأمراء السند و ( أوده ) و ( كارناتك ) والمرتيين وغيرهم وتكتفي دولة الروس بعقد محالفات تجارية بينها وبين تلك الممالك . وربما كانت هذه السيرة توافق بعض الإمارات الإسلامية المستقلة وبعض ممالك المسلمين وقد يكون من مصلحة دولة إيران وإمارة أفغانستان أن تتفقا مع الروسية اتفاقًا يفيد كلا من المتحالفين . إن الروسية ما جاءت إلى ( مرو ) لتهلك عساكرها في فقارها ولا يصدها عن سيرها إخلاصها في محبة الإنجليز ولا ارتباطها معهم بعهد مع علمها أن لا عهد لهم ، إنما جاءت لتفتح باب التجارة مع أثرى قطر في الشرق وتهدم سلطان الإنجليز فيه ، فإن الأثرة الإنجليزية ما تركت مصلحة تجارية تتمتع بها أمة من الأمم . هذا عارض سوء على حكومة بريطانيا ولكنه سحاب رحمة على الهنديين بما انتقم الله لهم من عدوهم فبذلك فليفرحوا وليعد الأمراء أنفسهم لما أعدالله لهم من العزة بعد الذلة ، الحرية بعد العبودية والخلاص من قهر حكومة لا ترحم صغيرًا ولا توقّر كبيرًا . لانظن ولن نظن أن يجد الإنجليز لهم يوم التصادم نصيرًا من دول أوروپا ولا من دول المشرق ولا من الهنديين ولا من صنف البشر لأنه لا توجد نفس تشعر بوجود حكومة الإنجليز على سطح الأرض إلا وقد مسها منهم شيء من لاضرّ . إن حكومة الإنجليز تشعر بقربها من هذا الخطر العظيم وتعلم أن ما ينزل بها من المصائب في الهند لا يقصر ضرره على حالها فيه ولكنه يزلزل جزائر بريطانيا فإن حياتها ومجدها ليس إلا بالهند ، كيف لا يشعر الإنجليز بسوء عاقبتهم وهم يحسون بضعفهم في القوى العسكرية وانحراف قلوب رعاياهم الهنديين عنهم واحتدامها غيضًا عليهم عجّل الله لهم ما فيه خير الضعفاء .
العروة الوثقى — صفحة 208
مساهمون: سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني
ص٢٠٨