تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العروة الوثقى — صفحة 207

مساهمون:

ص٢٠٧
يحضره من الأقيسة ، بأن أولئك الأقوام وسلائل الأمراء وأحفاد السلاطين ، قد ضرب عليهم الذل الأبدي ، وسجلت عليهم العبودية السرمدية ، بل ربما ذهب به الوهم إلى الحكم عليهم بتحتم الفناء ولزوم الاضمحلال ، فإن الناظر في شؤونهم ما كان يحضره إلا صولة الإنجليز وسعة اقتدارهم ، وخضوع الهنديين وشدة عجزهم ، ما كان يخطر في ذلك الوقت بخاطر أحد أن الأيام تأتي بهذا الحادث الجديد . إن الروسية تقطع الفيافي من وراء بحر الخزر حاملة عواملها رافعة أعلامها ضاربة في تلك البوادي ، زاحفة إلى حدود الهند ما كان يختلج في صدر أحد في تلك الأوقات أن حرص الإنجليز وطمعهم في الاستيلاء على مصر يوجب انحراف الدول عنهم ويقتضي قيام رجل السياسة ( البرنس بسمارك ) لجمع كلمة الدول على مصادمتهم . ما كان يحوم في خيال أن قائمًا يسمى محمد أحمد يقوم بدعوة دينية في أعالي السودان وبعد إرغامه للإنجليز مرات يحرك قلوب الهنديين ويوقظ نائميهم ، ويثير الساكن من خواطرهم وينهض الهمم ، ويحيي الآمال فيهم بعد القنوط وتنتشر دعوته في أرجاء الهند ، نعم ومن أين يكون للإنسان علم هذه الحوادث وهي محجوبة بستار الغيب ، فهو معذور في أحكامه مقسور على أوهامه . نرى دوائر السوء تدور بالحكومة الإنجليزية ، وقد تهيأت ضاربات الشر للوثبة عليها ، وليس لها حليف في أوروپا ، وإن استئثارها بمنافع الأمم ، وطمعها في الاختصاص بمصالح العالم ، أبعد عنها الأصدقاء ، ونفر منها الأولياء ، فكانت هذه السقطة بهزة لنهوض الروسية وتقدمها إلى الحدود الهنديد ، ومن مصلحة الدول في أوروپا خصوصًا دولة الألمان على ما يظهر من جرائدها الرسمية أن تؤيد الروسية فيما تقصد من فتح الهند ، فإن اندفاع السيل الروسي على تخوم الهند خير لأوروپا عمومًا وألمانيا خصوصًا من انحداره إلى بعض المواقع الأوروپية وأنجع في صيانة السلم الأوروپى إذا جاء يوم التصادم بين روسيا والإنجليز على حدود الهند وما هو ببعيد كان قضاء السوء على الجيش الإنجليزي في الصدمة الأولى فيما نظن لقلّة عدده ، ولأن العدد الغالب فيه من الهنديين الحرجة صدورهم المجروحة قلوبهم المترقبين لفرصة تمكّنهم من الخروج على حكامهم الظالمين . فإذا وقعت الهزيمة اشتعلت نار الثورة في عموم الهند ، ومحيت سلطة الإنجليز بأيدي الهنديين .