تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العروة الوثقى — صفحة 204

مساهمون:

ص٢٠٤
العلل ، هذا مما تحكم به بداهة العقل وهو عنوان الحكمة التي قامت بها السماوات والأرض ، وثبت بها نظام كل موجود ، وهو العدل المأمور به على لسان الشرع في قوله تعالى : « إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ والْإِحْسانِ » [ النحل : 90 ] ، كما أن الجور عن الاعتدال والميل عن سبيل الاستقامة في كل جزء من اجزاء العالم يوجب فناء واضمحلاله ، كذلك الجور في الجمعيات البشرية يسبب دمارها ، لهذا حثّت الأوامر الإلهية على العدل ، كثر النهى في الكتاب المجيد عن الظلم والجور ، والحكام أولى من توجه اليه الأوامر والنواهي في هذاالباب ، العدل هوالحكمة التي امتن الله بها على عباده ، وقرنها بالخير الكثير فقال « ومن يُؤت الحكمة فقد أوتى خيراً كثيراً » [ البقرة : 269 ] هي مظهر من أجلّ مظاهر صفاته العلية ، فهو الحكم العدل وهو اللطيف الخبير . من سار في الأرض ، وتتبع تواريخ الأمم ، وكان بصير القلب ، علم أنه ما ينهدم بناء ملك ، ولا انقلب عرش مجد ، إلا لشقاق واختلاف ، أو ثقة بمن لا يوثق به ، وتخلل العنصر الأجنبي ، أو استبداد في الرأي ، واستنكاف عن المشورة ، وإهمال في إعداد القوة ، والدفاع عن الحوزة ، أو تفويض الأعمال لمن لا يحسن أداءها ووضع الأشياء في غير مواضعها ، فيكون جور في الحكم ، واختلال في النظم ، وفي كل ذلك حيد عن سنن الله ، فيحصل غضبه بالخاطئين ، وهو أحكم الحاكمين . لو تدبرنا آيات القرآن ، واعتبرنا بالحوادث التي ألمت بالممالك الإسلامية ، لعلمنا أن فينا من حاد عن أوامر الله وضلّ عن هديه ، ومنّا من مال عن الصراط المستقيم الذي ضربه الله لنا وأرشدنا إليه ، وبيننا من اتبع أهواء النفس وخطوات الشيطان ، « ذلِك بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَك مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَها عَلى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ وأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ » [ الأنفال : 53 ] ، فعلى العلماء الراسخين وهم روح الأمة ، وقواد الملة المحمدية ، أن يهتموا بتنبيه الغافلين عن ما أوجب الله ، وإيقاظ النائمة قلوبهم عمّا فرض الدين ، ويعلموا الجاهل ، ويزعجوا نفس الذاهل ، ويذكروا الجميع بما أنعم الله به على آبائهم ، ويستلفتوهم إلى ما أعدّ الله لهم لو استقاموا ، ويحذروهم سوء
العروة الوثقى — صفحة 204 | سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني / الشيخ محمد عبده