والأعمال وتأثيراً في الأفكار والإرادات لا يمكن للمعتقدين أن يزيحوها عن أنفسهم ما داموا معتقدين ، هكذا الإيمان في جيمع شؤونه وطواره ، له خواص لا تفارقه ، ونزعات لا تزايله ، وصفات جليلة لا تنفك عنه وخلائق عالية سامية لا تباينه ، بها كان يمتاز المؤمنون في الصدر الأول وكان يعترف بمزيتهم وعلو منزلتهم من كانوا يجحدون عقيدتهم ، نعم هم الذين صبروا في نيران امتحان الله وابتلائه حتى ظهر إيمانهم ذهبًا إبريزًا صافيًا من كل غش ، وأعدّالله لهم جزاء على صبرهم نعيمًا مقيمًا . ما أصعب ابتلاء الله وما أشدّ فتنته وما أدقّ حكمته في ذلك ليميّز الله الخبيث من الطيب ! نعم إن دون ابتلاء الله خلع العادات ، وتحمل الصعوبات ، وبذل الأموال وبيع الأرواح ، كل خطر فهو تهلكة ينبغي البعد عنها إلا في الإيمان ، فكل تهلكة فيه فهي نجاة ، وكل موت في المحاماة عن الإيمان فهو بقاء أبدي ، وكل شقاء في أداء حقوق الإيمان فهو سعادة سرمدية ، المؤمن يبذل ما له فيما يقتضيه إيمانه ولا يخشى الفقر ، وإن كان الشيطان يعده الفقر ، ليس في النفقة لأداء حق الإيمان تبذير ولو أتت على كل ما في أيدي المؤمنين ، إن للمؤمنين حياة وراء هذه الحياة ، وإن له لذة وراء لذاتها ، وإن له سعادة غير ما يزينه الشيطان من سعادتها ، هكذا يرى المؤمن إن كان الإيمان مسّ قلبه ولو لم يبلغ العناية من كماله . إن الفرار من محنة الله في الإيمان مجلبة للخزي الأيدي . إن الفرار من صدمة جيش الضلال وإن بلغت أقصى ما يتصور موجب للشقاء السرمدي . لا سعادة إلا بالدين ودون حفظ الدين تتطاير الأعناق ، إن للإيمان تكاليف شاقة وفرائض صعبة الأداء إلا على الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى ، إن القيام بفرائض الإيمان محفوف بالمخاطر ، مكتنف بالمكاره ، كيف لا وأول ما يوجبه الإيمان خروج الإنسان عن نفسه وماله وشهواته ووضع جميع ذلك تحت أوامر ربه ، لن يكون المؤمن مؤمنًا حتى يكون الله ورسوله أحبّ إليه من نفسه . أول إحساس يلمّ بنفس المؤمن أنه في هذه الدنيا عابر سبيل إلى دار أخرى خير من هذه الحياة وأبقى . وأول خطوة يخطوها المؤمن بذل روحه إذا دعاه داعي الإيمان ، ولا داعي أرفع صوتًا وأبين حجة من نداء الحق على لسان أنبيائه . لا يقبل الله في صيانة الإيمان عذرًا ولا تعلة ما دامت الرجل تمشي والعين تنظر واليد تعمل . إن امتحان الله للمؤمنين سُنّة من سُننة .
* * * *
العروة الوثقى — صفحة 198
مساهمون: سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني
ص١٩٨