تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العروة الوثقى — صفحة 201

مساهمون:

ص٢٠١
رحمته بعباده تحديد الحدود ، وتقرير الأحكام ليتبين الخير من الشر ، ويتميّز النفع من الضر ، فأرسل الرسل ، وأنزل الكتب ، فمن خالف الأوامر الإلهية فقد ظلم نفسه ، فليستعد لخزي الدنيا وعذاب الآخرة . إن تأثير الفواعل الكونية في أطوار الحياة قد يخفي سببه حتى على الطبيب الماهر ، أما تأثير أحوال بني الإنسان في هيئة إجماعهم ، فيسهل على سره لكل ذي إدراك ، إن لم تكن عين بصيرته عمياء . ألم‌تر أن الله جعل اتفاق الرأي في المصلحة العامة والاتصال بصلة الألفة في المنافع الكلية سببًا للقوة واستكمال لوازم الراحة في هذه الحياة الدنيا ، والتمكن من الوصول لخير الأبد في الآخرة ، وجعل التنازع والتغابن علّة للضعف ، وداعيًا للسقوط في هوّة العجز عن كل فائدة دنيوية أو أخروية ، ومهيأ لوقوع المتنازعين في مخالب العاديات من الأمم ، فمن نظر نظرة في أحوال الشعوب ماضيها وحاضرها ، ولم يكن مصابًا بمرض القلب ، وعمى البصيرة ، أدرك سرّ أمرالله في قوله : « وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّه‌ِجَمِيعاً ولا تَفَرَّقُوا » [ آل عمران : 103 ] ، وسرّ نهيه في قوله « وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وتَذْهَبَ رِيحُكُمْ » [ الأنفال : 46 ] ، أي جاهكم وعظمتكم وعلوّ كلمتكم . إن الله تعالى يجعل الركون إلى من لا يصحّ الركون إليه ، والثقة بمن لا تنبغى الثقة به ، سببًا في اختلال الأمر وفساد الحال ، فمن وثق في عمله بمن ليس منه في شئ ، ولا تجمعه معه جامعة حقيقية ، ولا تصله به رابطة صحيحة ، وليس في طبعه ما يبعثه على رعاية مصلحته ، أو كتم سرّه ، ولا ما يحمله على بذل الجهد في جلب منفعته ، ودفع المضار عنه ، فلا ريب يفسد حاله ، ويسوء مآله ، وإن كان ملكًا ضاع ملكه ، أو أميرًا بطل أمره والحوادث عاهدة ، وأحوال المغرورين ناطقة ، فمن لم يرزأ بعمى البصيرة يدرك بأول التفات سر نهى الله تعالى في قوله : « لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وقَدْ كَفَرُوا بِما جاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ » [ الممتحنة : 1 ] ، وقوله : « لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبالًا وَدُّوا ما عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضاءُ مِنْ
العروة الوثقى — صفحة 201 | سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني / الشيخ محمد عبده