تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العروة الوثقى — صفحة 197

مساهمون:

ص١٩٧

امتحان الله للمؤمنين

« ألم ( 1 ) أَ حَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وهُمْ لا يُفْتَنُونَ ( 2 ) ولَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا ولَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ » [ العنكبوت : 1 - 3 ] . من الناس بل أغلب الناس من يقول آمنا ، وللإيمان آثار ، ثم يحسبون أن الله يتركهم وما يقولون ، ويدعهم وما يتوهمون ، ويعاملهم سبحانه وهو الحكم العدل بما يظنون في أنفسهم قبل أن يبتليهم أيهم أحسن عملا ، حتى تظهر أنفسهم لأنفسهم ، ويعلموا هل هم حقيقة مؤمنون أو هذه دعوى سولتها النفس ، وغرت بها الأماني ، وإنهم تائهون في أوهامهم يحسبون أنهم على شيء ، وهم خلو من كل شيء ، ولما يدخل الإيمان في قلوبهم . إلا في غيه حتى يبتليه في دعوى الإيمان ليعلم الله الذين جاهدوا ويعلم الصابرين ولئلا تكون للناس على الله حجة ، حاشا حكيمًا أنزل الكتب وأرسل الرسل ووعد وأوعد ، وبشّر وأنذر ، وقوله الصدق ، ووعده الحق ، أن يجازي من بنى عقيدته على خيال ليس له أثر ، وظن ليس له أساس ، وبالسعادة السرمدية ، والنعيم الأبدي ، إن المغترّ بزعمه ، الحائر في ظلمات أوهامه الذي لايسهل عليه الإيمان احتمال المشاق وتجشم المصاعب في سبيله ، ليس بمعزل عن المنافقين الذين حكم الله عليهم بالشقاء الأبدي والعذاب المخلد . الإيمان يغلب كل هوى ، ويقهر كل أمنية ، ويدفع بالنفس إلى طلب مرضاة الله بلا سائق ولا قائد سواه ، يقول الله وهو أصدق القائلين : « لا يَسْتَأْذِنُك الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ والْيَوْمِ الآخِرِ أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِم‌ْأَنْفُسِهِمْ واللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ ( 44 ) إِنَّما يَسْتَأْذِنُك الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ والْيَوْمِ الآخِرِ وارْتابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ » [ التوبة : 44 ، 45 ] ، هذا قضاء الله وهذا حكمه على الذين يستأذنون في بذل أرواحهم وأموالهم في أداء فريضة الإيمان ، حكم عليهم بأنهم لا يؤمنون . صدق الله وصدقت كتبه ورسله ، إن للعقائد الراسخة آثارًا تظهر في العزائم
العروة الوثقى — صفحة 197 | سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني / الشيخ محمد عبده