تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العروة الوثقى — صفحة 200

مساهمون:

ص٢٠٠

أسبابُ حفظ الملك

« أَ فَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها أَوْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ » [ الحج : 46 ] . أهلك الله شعوبًا ، وأباد قبائل ، ودمّر بلادًا ، ولا يزال عدل الله يبدل قومًا بقوم ويأتي لكل حين بأناس آخرين ، حكيم سبقت رحمته غضبه ، جعل لكل عمل جزاء ، وعين بحكمته لكل حادث سببًا « وَلا يَظْلِمُ رَبُّك أَحَداً » [ الكهف : 49 ] . وليست أفعاله جزافًا ، ولا يصدر عنه شئ عبثًا ، أمرالله عباده بالسير في الأرض « قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الُمجْرِمِينَ » [ الأنعام : 11 ] ليريهم قضاءه الحق وحكمه العدل ، فيمن سلف ومن خلف ، فيطيعوا أوامره ، ويقفوا عند حدود شرائعه ، ويفوزوا بخير الدنيا وسعادة الآخرة ، من كان له قلب يعقل وعين تبصر ، وعقل يفقه ، وتتبع حوادث العالم ، وتدبر كيفية الانقلاب الأمم ، وخاض في تواريخ الأجيال الماضية ، واعتبر بما قصّ الله علينا في كتابه المنزل ، يحكم حكمًا لا يخالطه ريب ، بأنه ما حاق السوء بأمة وما نزلت بها نازلة البلاء ، وما مسّها الضرّ في شئ إلا وكانت هي الظالمة لنفسها ، بما تجاوزت حدود الله وانتهكت حرماته ، ونبذت أوامره العادلة ، وانحرفت عن شرائعة الحقة ، وحرّفت الكلم عن مواضعه ، وأوّلت من كلامه تعالى على حب الأهواء والشهوات . كما أن للأغذية والأدوية ، واختلاف القصول والأهوية ، أثرًا ظاهرًا في الأمزجة بتقدير العزيز العليم ، كذلك اقتضت حكمة الله أن يكون لكل عمل من الأعمال الإنسانية ، ولكل طور من أطوار البشر ، أثر في الهيئة الاجتماعية ، ولهذا كان من
العروة الوثقى — صفحة 200 | سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني / الشيخ محمد عبده