الأمة وسلطة الحاكم المستبد
« وَما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ ولكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ » [ آل عمران : 117 ] . إن الأمة التي ليس لها في شؤونها حل ولا عقد ، ولا تستشار في مصالحها ، ولا أثر لإرادتها ، في منافعها العمومية ، وإنما هي خاضعة لحاكم واحد إرادته قانون ، ومشيئته نظام ، يحكم ما يشاء ويفعل ما يريد ، فتلك أمة لا تثبت على حال واحد ، ولا ينضبط لها سير ، فتعتورها السعادة والشقاء ، ويتداولها العلم والجهل ، ويتبادل عليها الغنى والفقر ، ويتناوبها العز والذل ، وكل ما يعرض عليها من هذه الأحوال خيرها وشرها ، فهو تابع لحال الحاكم فإن كان حاكمها عالمًا حازمًا أصيل الرأي ، عالي الهمة ، رفيع المقصد قويم الطبع ، ساس الأمة بسياسة العدل ، ورفع فيها منار العلم ومهّد لها طرق اليسار والثروة ، وفتح لها أبوابًا للتفنن في الصناع ، والحذق في جميع لوازم الحياة ، وبعث في أفراد المحكومين روح الشرف والنخوة ، وحملهم على التحلي بالمزايا الشريفة من الشجاعة والشهامة وإباء الضيم ، والأنفة من الذل ، ورفعهم إلى مكانة عليا من العزة ، ووطأ لهم سبل الراحة والرفاهة وتقدم بهم إلى كل وجه من وجوه الخير . وإن كان حاكمها جاهلًا سيىء الطبع ، سافل الهمة ، شرهًا مغتلمًا جبانًا ، ضعيف الرأي ، أحمق الجنان ، خسيس النفس ، معوج الطبيعة ، أسقط الأمة بتصرفه إلى مهاوي الخسران ، وضرب على نواظرها غشاوات الجهل ، وجلب عليها غائلة الفاقة والفقر وجار في سلطته عن جادة العدل ، وفتح أبوابًا للعدوان ، فيتغلب القوي على حقوق الضعيف ، ويختل النظام ، وتفسد الأخلاق وتخفض الكلمة ، ويغلب اليأس فتمتد إليها أنظار الطامعين ، وتضرب الدول الفاتحة بمخالبها في أحشاء الأمة .