تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العروة الوثقى — صفحة 190

مساهمون:

ص١٩٠
نعم قد ينبعث عليه من أرباب الطباع الفاسدة بعض الكرائه ، فيسلقونه ، بالألسنة ، ويرشفونه بسهام اللوم ، ولا تروق في أنظارهم أزهار أعماله ، ولا أنوار مزاهره ، لبعدها عن فهمهم ، وغرابتها على حواسهم ، لما ألفوه من الانكباب على تلك السفاسف الساقطة ، التي عدوّها شرفًا ، وحسبوها مجدًا ، وقد بيناها كما كشفتها الشرائع وآراء العقلاء ، وإنما مثلهم مثل الجعل ينفر من رائحة الورد ، ويألف روائح القذر ، لا يبعد أن يسخر بالعامل الفاضل مَنْ لا خلاق لهم ، أو يقصده بالإضرار من لا ذمة له ، ولكنهم بأنفسهم يهزءون ، وبمصالحهم يضرون ، ولا يطول عليهم الزمان في هذا العمى ، بل لا يلبثون إذا بدت الثمرة الشهية أن يهرعوا لاقتطافها ، ويطعموا من جناها ، ولا يسعهم بعد ذلك إلا الحمد لغارس الشجرة ، وحافظ الثمرة ، وإن كان دونهم في تلك الزخارف التي لا قيمة لها في نظر العاقل ثم يكون عقابهم على ما فرط منهم ندمًا على الخطيئة ، وأسفًا على السيئة وألمًا في قلوبهم ، تهيجه ذكرى ما قاموا به من سوء عملهم ، وانكشاف نقصهم لدى وجدانهم ، هكذا تمنح العناية الإلهية هذه الكرامة لصاحب العمل الشريف ما دام حيا ، فإذا غابت شمسه عن أفق هذا العالم لم تحجب أشعة ضيائه التي فاضت منه على نجوم هاديات ، وبدور منيرات ، نعم إنه يموت ويتوارى خلف حجاب العدم بجسمه ، ولكنه قائم في الأفئدة ، شاهد على الألسنة ، حي عند ربه ، ونعمت الحياة حياته ، ولمثل هذا فليعمل العاملون . * * *