من صدر عثمان باشا الغازي من موقعه على صدور أولئك المخدوعين ، أظن رجع النظر بين الموقعين يثبت لك أن النيشان يشرف بشرف العمل الذي جعل دليلًا عليه ويسقط بسقوطه . ماذا غرّ أولئك الواهمين على اختلافهم ، ألا يعلمون ن الثياب المعلمة بالدم ، الموشاة بالنجيع ، الملوّنة بالمهج ، هي التي حفظت للابسيها ذكرًا حسنًا لا ينقطع ، وأثرًا مجيدًا لا يمحى ، إن الذين ضرّجوا بدماءهم في طلب المجد لمللهم ، هم الذين خشعت لذكرهم الأصوات ، وأجمعت على فضلهم خواطر القلوب ، ألم يصل إليهم أن الذين قضوا نحبهم في غيابات الجبّ ، وانتهت حياتهم في ظلمات السجن ، لطلب حق مسلوب أو حفظ مجد موجودهم الذين سما ذكرهم إلى شرف الشمس الأعلى ، وعلت أسماؤهم على جميع الأسماء ، أظن أن الذين كانوا في الغرفات العالية ينظرون إلى جناتهم وحدائقهم ، ويشرفون على الناس من شرفات قصورهم ، وقصروا حياتهم على التمتع بما نالوا ، لم يبق لهم ذكر ولم يكن لهم في حياتهم شأن ، إلا ما هو محصور في دوائر بيوتهم ، ولا يختلف عنهم أولئك الذين كانوا يسحبون مطارف الرفه ويكتسون حلل الخز والديباج ، ذهبوا وذهبت معهم أكسيتهم ، فارتدوا من حيث أتوا لا يعلم متى جاءوا إلى الدنيا ، ومتى انكشفوا عنها . هل سمعنا أن أحدًا يذكر بين بني البشر بأنه نال نيشان كذا وحصل رتبة كذا ؟ نعم يقولون علم وعمل ، وأعطى وبذل ، ورفع ووضع ، وجاهد وكافح ، وأباد وأبقى ، وما يشاكل ذلك من الأعمال التي لها أثر ثابت ، إذا ذكر إسكندر الأكبر هل يخطر بالبال أن كان له قصر أو لا ؟ أي أبله يطلب سيرة نابليون الأول في آثار قصر كان يسكنه ، أو في خرق ثياب كان يلبسها وهل بلغ عظماء العالم ما بلغوا من مقامات الشرف بعدما شيدوا وزينوا وترفهوا وتنعموا ، أكان جميع ما ينالون من ذلك بعد أن يسودوا ويفتحوا ويغلبوا ويأخذوا بالنواصي ؟ خدع قوم بالأحلام وغرتهم الأوهام . ففرطوا في شؤون بلادهم وباعوا مجدها الشامخ بتلك الأسماء التي لا مسمى لها ، وزعموا وإن لم تطاوعهم ضمائرهم أنهم رقوا من مكانة الشرف وإن كان خاصا بهم بعدما علموا أن الرتب والنياشين جاوزت حدها ، ونالها غير أهلها ، فلو أنهم
العروة الوثقى — صفحة 188
مساهمون: سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني
ص١٨٨