تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العروة الوثقى — صفحة 189

مساهمون:

ص١٨٩
أصغوا لما تحدثهم به سرائرهم ، وتعنفهم به خواطر أفئدتهم ، ورمقوا بأبصارهم ما يحيط بهم ، لعلموا أنهم في أخس المنازل وأبعد المزاجر ، وأدركوا خطأهم في معنى الشرف وجورهم عن جادة الصواب في طلبه ، لو أحسوا بما رزئت به أوطانهم ، وما لصق من الذل والعار بذراريهم ، لطرحوا الوشاحات ، ونبذوا الوسامات ، ولبسوا أثواب الحداد ، ونفروا خفافًا وثقالًا لطلب الشرف الحقيقي . الشرف حقيقة محدودة كشفتها الشرائع ، وحددتها عقول الكاملين من البشر ، وليس لذي شاكلة إنسانية أن يرتاب في فهمها ، إلا من ختم الله على قلبه ، وجعل على بصره غشاوة . الشرف بهاء للشخص ، يحوم عليه بالأنظار ، ويوجه إليه الخواطر والأفكار ، وجمال يروق حسنه في البصائر والأبصار ومشرق ذلك البهاء عمل يأتيه طالبه يكون له أثر حسن في أمته أو بني ملته ، أو في النوع الإنساني عامة ، كإنقاذ من تهلكة ، أو كشف لجهالة ، أو تنبيه لطلب حق سلب ، أو تذكير بمجد سبق ، وسؤدد سلق ، أو إنهاض من عثرة أو إيقاظ من غفلة أو إرشاد لخير يعمّ ، أو تحذير من شرّ يغم ، أو تهذيب أخلاق أو تثقيف عقول ، أو جمع كلمة وتجديد رابطة ، أو إعادة قوة ، وانتشال من ضعف ، أو إيقاد حمية أو خصومة لغيرة . من أتى عملًا من الأعمال له أثر من هذه الآثار فهو الشريف وإن كان يسكن الخصاص والأكواخ ، ويلبس الدلوق والأسمال ، ويقتات بنبات البر ، ويبيت على تراب الفقر ، ويتوسد نشز الأرض ، ويضرب في كل واد ، ويتردد بين الربى والوهاد ، هذا له حلية من عمله ، وزينة من فضله ، وبهاء من كماله ، وضياء من جده ، يهدي إليه ضالة الألباب ، وتائهة الأفئدة ، تعرفه المشاعر الحساسة ولا تنكره ، وتكتنفه دارات القلوب المتطايرة إليه ولا تنفصل عنه ، له من روحه قصور شاهقة ، وغرفات شائقة ، ومناظر رائقة ، وجمال باهر ، ونور زاهر ، لا يكاد يخفى حتى يظهر ، ولا يكاد يستر حتى يبصر ، إليه يصعد الكلم الطيب ، والعمل الصالح يرفعه إلى أعلى عليين ، حياة طيبة في القلوب وعزة مشرقة في جبهة الزمان « وَفِي ذلِك فَلْيَتَنافَسِ الْمُتَنافِسُونَ » [ المطففين : 26 ] .