تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العروة الوثقى — صفحة 187

مساهمون:

ص١٨٧
الصواب في وهمهم ، ماذا يجد من نفسه المباهي بقصوره وولدانه وحوره لا يحس من أنه وإن حاز منها أعلى ما يتصوره العقل ، فذاته التي هي أعز لديه من جميع ما كسب لم تستفد شيئًا من الكمال ، وإن جميع ما حصله فهو أجنبي عنه ، وليس له نسبة إليه إلا نسبة العناء في تحصيله ، ألا يرى أن كثيرًا ممن بلغ مبلغه أوفاقه ، سلبتهم صروف الدهر ما بأيديهم ، فأصبحوا بصفاتهم وجواهر ذاتهم ، فإن لم تكن على جانب من الكمال الإنساني انخرطت في سلك الطبقات السافلة ، ولم يبق لهم في القلوب منزلة ولا في النفوس مكانة . ماذا يشعر به المفاخر بحليه ولباسه إذا تجرّد منه وخلا بنفسه إن لم يكن لذاته حلية من الفضيلة وزينة من الكمال ؟ ألا يكون هو وعراة الفقراء سواء وألا يجد من سره عند المفاخرة أنه يجول مع الغانيات وربات الخدور ، في ميدان واحد ، ماذا يتصور الزاهي برتبته ، المعجب بوسامه ، إن لم يكن قبل وسمته أو الصعود لرتبته ، على حال تجل ، أو كمال يبجل ، أليس يشعر أنه لو سلب الوسام ، أو نزع عنه الوشاح ، يعود إلى منزلته من الاحتقار ؟ فإن نال الكرامة عند بعض السذج واللقب معلق عليه ، أليس ذلك تعظيمًا للقب لا للملقب به ؟ ألا تكون هذه الكرامة عارضًا سريع الزوال ، بل رسمًا ظاهرًا لا يمسّ بواطن القلوب ؟ نعم لهذه الألقاب الشريفة شأن يرتفع به النظر إذا سبق بعمل يعترف عموم العالم بشرفه ، وكان اللقب دليلًا عليه أو مشيرًا إليه ، كما يكون لمثلها حال يسقط به الاعتبار إذا تقدمها فعله يمقتها العقلاء من النوع البشري ، وكان الوسام أو اللقب عنوانًا على ما اقترف كاسبه ، وعلامة على ما احترم . انظر وتدبّر ولا تخطىء فما أنت من الصواب ببعيد ، إن عثمان الغازي الذي لقبه أعداؤه بأسد ( بلاونة ) نال رتبة ومُنِحَ لقبًا ، وحظي بمكانة رفيعة بين الطبقة العليا من العظماء في دولته بعدما دفع بروحَه للموت في المدافعة عن ملته ، وجاهد في إعلاء كلمة دينه ، بما شهد له الأعداء والأصدقاء ، وإن بعض الأمراء في ديار إسلامية علقت عليهم ألقاب شريفة من دولة كدولة الإنجليز جزاء لهم على ما تقدموا أمام جيوش أعدائهم ، لافتتاح بلادهم ، حتى مكنوا الإنجليز من ديارهم ، وجميع المسلمين الآن يكابدون الجهد في إيجاد الوسائل لخروجهم منها ، أين موقع النيشان