تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العروة الوثقى — صفحة 182

مساهمون:

ص١٨٢
اقتطاف ثمار الثناء وتخليد الذكر ، فإذا أخذ مأخذهم ، واستقام على طريقهم فلا يكاد يخطو بعض خطوات ومبدأ المسير تحت نظره ، حتى تتعثر أقدامه في أياد مقطعة ، ورءوس مجذوذة ، وأشلاء مبددة ، وشعور منثورة ، وصدور مدقوقة ، ويشهد الطريق مضرسة بقبور الشهداء ، من طلاب الحق والناهجين في منهاجه ، ولا محيص عن سلوكها ، وتبدو له غابات وأدغال يرجع إليه منها صدى زئير الآساد وزمجرة الضراغم ، ولا بد له من اختراقها . هكذا تنكشف لطالب المعالي موحشات مدهشات مصاولة لمخاطر أدناها ، والموت الشريف أقصاها وأعلاها ، فتارة يخور عزمه ويضعف همه فينكص على عقبيه ، ويرتدّ إلى أسوأ حاليه ويرتع في مراتع أمثاله ، حتى يروح إلى عطنه الأولى به وهو العدم ، وتارة يوحي إليه الإلهام الإلهي أن الشخص في خاصته والأمم في هيئاتها ونوع الإنسان في مجموعه ، تطالبها صورة الإبداع بأعمال شريفة دونها إجهاد الأنفس في السعي ، وحملها على ما لا تهوى ، ومغالبة الأهوال والغوائل ، وفيما أودع الله الإنسان من القوى العالية ، والخواص السامية ، أكبر مساعد على ما تندفع إليه الهمة ، وتنتعث له العزيمة . إن من أحياه الله بالحياة الإنسانية كلما هاجمته المصاعب لا يزداد إلا حرصًا على قهرها كما أن صاحب الشمم لا يزيده الخصام إلا حدة في الجدال ، وإصرارًا على إقناع المخاصم ، وكثير ممن على شكل الإنسان يحيا حياته هذه بروح حيوان آخر وهو يعاني فيها من الشقاء أشدّ مما يعانيه الإنسان في إبراز مزايا الإنسان . إن صاعد الجبل ربما يجد شيئًا من التعب ويخشى مفترسه الكواسر ، ولكن قد ينجو منها ويستريح على القنة ، ويعتصم بمكانه من الرفعة ، وتقصر عنه يد المتناول ، أما من أخلد إلى السفل فحظه من الحياة خوف لا ينقطع ، وإشفاق لا يزول ، كل لحظة توعده بالسقوط في صيد الصائد ، والوقوع بين أنياب الغائل ، مات من الناس كثير في طلب العلاء ولم ينالوا ، وبلغ كثير من الطالبين غاية من أملوا ، ولكن هلك بالفتك أضعاف هؤلاء وهؤلاء من رئموا الخمول ، ورضوا بالحياة الحيوانية - هذه أحاديث الحق ونفثات الروح الزكية تبعث من أيده الله ووهبه نعمة العقل إلى مداومة السير واقتفاء أثر الماضين إلى أشرف المقاصد ، فإما وصل وإما مات كما يموت الكرام .