تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العروة الوثقى — صفحة 179

مساهمون:

ص١٧٩
برجال منها يعرفون لها حقها كما تعرف لهم حقهم وما كان شيء من أعمالها بيد أجنبي عنها ، وإن تلك الدول ما انخفض مكانها ولا سقطت في هوة الانحطاط إلا عند دخول العنصر الأجنبي فيها ، وارتقاء الغرباء إلى الوظائف السامية في أعمالها فإن ذلك كان في كل دولة آية الخراب والدمار خصوصًا إذا كان بين الغرباء وبين الدولة التي يتناولون أعمالها منافسات وأحقاد مزجت بها دماؤهم ، وعجنت بها طينتهم من أزمان طويلة . نعم كما يحصل الفساد في بعض الأخلاق والسجايا الطبيعية لسبب العوارض الخارجية ، كذلك يحصل الضعف والفتور في حمية أبناء الدين أو الأمة ، ويطرأ النقص على شفقتهم ومرحمتهم فينقص بذلك اهتمام العظماء منهم بمصالح الملك ، إذا كان ولي الأمر لا يقدر أعمالهم حق قدرها . وفي هذه الحالة يقدمون منافعهم الخاصة على فرائضهم العامة فيقع الخلل في نظام الأمة ويضرب الفساد ، ولكن ما يكون من ضره أخف وأقرب إلى التلافي من الضرر الذي يكون سببه استلام الأجانب لهامات الأمور في البلاد لأن صاحب اللحمة في الأمة وإن مرضت أخلاقه واعتلت صفاته ، إلا أن ما أودعته الفطرة وثبت في الجبلة ، لا يمكن محوه بالكلية ، فإذا أساء في عمله مرة ازعجه من نفسه صائح الوشيجة الدينية أو الجنسية ، فيرجع إلى الإحسان مرة أخرى ، وإن ما شدّ بالقلب من علائق الدين أو الجنس لا يزال يجذبه آونة بعد آونة لمراعاتها والالتفات إليها ، ويميله إلى المتصلين معه بتلك العلائق وإن بعدوا . لهذا يحق لنا أن نأسف غاية الأسف على أمراء الشرق ، وأخص من بينهم أمراء المسلمين ، حيث سلموا أمورهم ووكلوا أعمالهم من كتابة وإدارة وحماية للأجانب عنهم ، بل زادوا في موالاة الغرباء والثقة بهم حتى ولوهم خدمتهم الخاصة بهم في بطون بيوتهم ، بل كادوا يتنازلون لهم عن ملكتهم في ممالكهم ، بعدما رأوا كثرة المطامع فيهم لهذا الزمان ، وأحسوا بالضغائن والأحقاد الموروثة من أجيال بعيدة ، وبعدما علمتهم التجارة أنهم إذا ائتمنوا خانوا ، وإذا عززوا أهانوا ، يقابلون الإحسان بالإساءة والتوقير بالتحقير ، والنعمة بالكفران ، ويجازون على اللقمة
العروة الوثقى — صفحة 179 | سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني / الشيخ محمد عبده