تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العروة الوثقى — صفحة 184

مساهمون:

ص١٨٤
أمته أو تعمّ النوع الإنساني ، وغاية هذا الأجل عندما يمحى أثره من ألواح النفوس وصفحات التاريخ . فللروح الفاضلة وجودان : وجود في بدنها الخاص ، ووجود في جميع الأبدان ، وهو ما يكون بحلولها من كل روح محل الكرامة والتبجيل ، ولا ريب أن هذا الأجل الطويل ، وهذا الوجود العريض ، خير من ذاك الأجل القصير ، وذلك الوجود الكز [ 1 ] وحقيق بالإنسان أن يبيع ما هو أدنى بالذي هو خير . يطول بي الكلام فأقصر ، إن الله الذي وهب كل نوع ما به كماله وضع في جبلة البشر ميلًا إلى الحمد ، وألهمهم تأدية حقه لمستحقه ، ألم‌تر انطلاق الألسن في كل أمة بالثناء على كل من كان سببًا لها في مجد ورفعة ، أو نهوض من سقطة ، أو توحيد كملة ، أو تجديد قوة ، أو كمال في فضيلة ، أو تقدم في علم أو صنعة ، ويرسمونه في الألواح ، ويسجلون مدحته في بطون التواريخ ، ويرفعون له الهياكل والتماثيل ، ويحفظون له ذكرًا حميدًا يتناقله الأبناء عن الآباء ، حتى ينقرضوا وينقرض العالم . إذا جحدت الأمة حق العامل لها ، أو قصرت في استحسان عمله ، ضعفت الهمم ، وقل السعي في المصالح العامة ، وانقبضت الأيدي عن تعاطيها ، فهبطت شؤون الأمة ، فافترقت وماتت . إن الله جلّ شأنه قرن كل حادث بسبب ، فإذا استوى لدى الأمة الحسن والقبيح ، والطيب والخبيث ، والفضيلة والرذيلة ، والمصلحة والمفسدة ، وفقد منها التمييز ، ولم تقدر أعمال العاملين حق قدرها ، ولم تعرف معروفًا ، ولم تنكر منكرًا ، سلبت آحادها الميل إلى المعالي والكمالات ، وكانت هذه أشدّ نكاية بها من جور الظالمين ، وتغلب الغالبين ، ظلم الظالم لا يدوم ، وسطوة الغالب لا تثبت ، إذا كان جمهور الأمة يقابل الإحسان بالاعتراف ، والفضل بالحمد ، فإنه يوجد منها من يشتري هذه المكافأة بتخليصها وإنقاذها ، وأما فقد هذا الإحساس الشريف ، فهو أشبه علة بالهرم ، لا عقبى له إلا الموت والهلاك .
هامش
[ 1 ] . الكر : اليابس والمنقبض ، والمراد هنا ما لا خير فيه .
العروة الوثقى — صفحة 184 | سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني / الشيخ محمد عبده