تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العروة الوثقى — صفحة 183

مساهمون:

ص١٨٣
لم تنل أمة من الأمم مزية من المزايا المحمودة عند بني البشر سواء في العلوم والمعارف ، الآداب والفضائل ، أو القوانين والنواميس العادلة ، أو العسكرية وقوة الحماية ، حتى خرج آحاد منها إلى ما تخشاه النفوس وتهابه القلوب ، وسلكوا تلك المسالك الوعرة ، فبلغوا بأممهم أقصى ما بلغت بهم هممهم ، مع الاعتماد على العناية الأزلية في جميع سيرهم . ماذا يريد القانون في خدمة الأمم أو النوع الإنساني ، والمنفقون لحياتهم في أعمال فادحة يعود نفعها على من تجمعه معهم جامعة الأمة أو الملة أو يشاركهم في النوع ؟ ! أليس قد جعل الله لكل شيء سببا ؟ ! أليس من سُنّةالله في عباده أن لا تتجه الإرادة البشرية إلى حركة تصدر عن المديد إلا بعد تصوّر غاية تعود إلى ذاته وبعد اليقين أو راجح الظن بأنه يستفيد الغاية من العمل ، فإن كان الأجل يذهب في مساورة الآلام الروحية ، والعمر ينفد في مناهدة الأوصاب البدنية ؟ ! فماذا يقصدون من أعمالهم ، إن كان يوجد في أبناء جلدتهم ، وذوي ملتهم ، من يساعد حوادث الكون على إيلامهم ، وممانعتهم في مقاصدهم ، وصدهم عن السعي فيما يرجع خيره إلى أنفس المعارضين ، ويثخن فيهم جراح اللوم والتقريع والشماتة والتشنيع ، أو يدافعهم بالمكافحة والمنازلة فماالذي يبتغون من جدهم وكدهم ، لا لذة تجتنى ، ولا ألم يتقى ، فما هذا الباعث القوي الذي غلب الأهواء ، ولم يضعفه جهد البلاء ؟ ! نعم أودع الله في الإنسان ميلًا أقوى من كل ميل ، وهو أخص خاصة فيه يمتاز بها عن غيره من الأنواع ، وهو ( حب المحمدة الحقة وحسن الذكر من وجوه الحق ) ، أقول هذا تفاديًا من حب المحمدة من أي وجه حقا كان أو باطلًا ، وطلب الثناء بالزور والغش والرياء ، والظهور بمظاهر الأخيار ، مع تبطن سرائر الأسرار ، فإن هذا من أسوأ الحلال ، وإنما يعرض بعد اعتلال الفطرة وفساد الطبيعة . المحمدة هي الغذاء الروحاني ، والمقوّم النفساني ، وكلما قرب الشخص من الكمال الإنساني تهاون بالشهوات أو ازدري باللذائذ الحسية ، وقوى فيه الميل إلى المحمدة الباقية ، وبذل الوسع فيما يفيدها من جلائل الأعمال ، تأمّل ، إن الفاضل يرى له في هذا العالم أجلين أقصرهما الأجل المحدود من يوم ولادته إلى نهاية العمر المقدر ، والآخر أبعد من هذا نهاية ، وبدايته عندما ينجم من عمله الصالح أثر لمنفعة تشمل