كم حكمةالله في حبّ المحمّدة الحقة !
العالم الإنساني كتاب المعتبر ، وسفر المستبصر ، وكل قرن من قرونه صفحة ، وكل جيل من الناس سطر فيه أو جملة ولنا في كل ما خطّه القلم الإلهي عبرة . أول ما يفيدنا النظر فيه وقوفنا على أحوال الشعوب في أطوارها المختلفة ، وأدوارها المتبدلة ، فترى أممًا علت وسمت وحلقت في جو المعالي وجازت في الرفعة مسارح النظر ، ثم انحدرت بعد هذا وتدهورت وعفت رسومها ، ولم يبق لها أثر إلا في الروايات والأحاديث ، ومنها أجيال كانت في ثنى العدم ثم اكتست حلية الوجود ، واتخذت من الاجتماع الإنساني مكان الهامة من الجسد ، ثم انطوت وأخنت عليها أمهات قشعم ومنها ما نراه إلى اليوم يسحب مطارف العزة ، ويشرف على العالم بالأمر والنهي من شواهق القوة . فمن الناس من تتجلى له هذه الشؤون وتلك الأطوار كما تعرض عليه التماثيل ينبسط لبعضها إذا أعجبه ، وينقبض للآخرة إذا أنكره ، وهو في غفلة من منشأ ظهورها وعلل انقلابها ، فإن سُئل عن السبب قال : سبحانالله هكذا كان وهكذا يكون ، وما هو إلا بخت يسعد فيسعد به السعداء ، وينحس فيتعس به الأشقياء . ومنهم من تنفذ بصيرته إلى الحقيقة فيقف على ما هيأه الله من الأسباب التي تتبعها أحوال الأمم في صعودها وهبوطها ، ويعلم أن ما سيق من الخير لأمة إنما كان بأيدي آحاد من أماثلها جدوا وجاهدوا ، وربما بذلوا من نفائسهم وأنفسهم ففازوا بتأصيل المجد لشعوبهم وبني جنسهم ، ويرى لأولئك الأعلام ذكرًا يرفع ومكانة من القلوب تحمد ، وتمييزًا عند الخلف بالكرامة وهم لا يخالفون الناس في جسومهم ودماءهم ، وإنما تقدموهم بهممهم وقد يسوقه الاعتبار إلى الاقتداء بهم رغبة في