يدنو منها ولم توهن روابطها الاختلافات المشارب اوالأديان ، وإما رجل يجتمع معه في دين قامت جامعته مقام الجنسية ، بل فاقت منزلته من القلوب منزلتها ، كالدين الإسلامي الذي حل عند المسلمين وإن اختلفت شعوبهم محل كل رابطة نسبية ، فإن كلا من الجامعتين ( الجنسية على النحو السابقين والدينية ) مبدآن للحمية على الملك ومنشئان للغيرة عليه . أما الأجانب الذين لا يتصلون بصاحب الملك في جنس ولا في دين تقوم رابطته مقام الجنس ، فمثلهم في الدولة كمثل الأجير في بناء بيت لا يهمه إلا استيفاء أجرته ثم لا يبالي أسلم البيت أو جرفه السيل أو دكته الزلازل ، هذا إذا صدقوا في - أعمالهم يؤدونَ منها بمقدار ما يأخذون من الأجر ، واقفين فيها عند الرسم الظاهر ، فإن الواحد منهم لا يشرف بشرف الأمة الذي هو خادم فيها ولا يسمه شيء مما يمسها من الضعة لأنه منفصل عنها إذا فقد العيش فيها فارقها وارتد إلى منبته الذي ينتسب إليه ، بل هو في حال عمله وخدمته لغير جنسه لاصق بمنبته في جميع شؤونه ما عدا الأجر الذي يأخذه ، وهذا معلوم ببداهة العقل فلا يجد في طبيعته ولا في خواطر قلبه ما يبعثه على الحذر الشديد مما يفسد الملك أو الحرص الزائد على ما يُعلي شأنه ، بل لا يجد باعثًا يبعثه على الفكر فيما يقوم مصلحته من أي وجه ، هذه حالهم هي لهم بمقتضي الطبيعة لو فرضنا صدقهم وبراءتهم من أغراض أخر ، فما ظنك بالأجانب لو كانوا نازحين من بلادهم فرارًا من الفقر والفاقة وضربوا في أرض غيرهم طلبًا للعيش من أي طريق ؟ وسواء عليهم في تحصيله صدقوا أو كذبوا وسواء وفوا أو قصروا ، وسواء راعوا الذمة أو خانوا أو لو كانوا مع هذا كله يخدمون مقاصد لأممهم ، يمهدون لها طرق الولاية والسيادة على الأقطار التي يتولون الوظائف فيها ( كما هو حال الأجانب في الممالك الإسلامية لا يجدون في أنفسهم حاملًا على الصدق والأمانة ولكن يجدون منها الباعث على الغش والخيانة ) [ 1 ] ومن تتبع التواريخ التي تمثل أحوال الأمم الماضية وتحكي لنا عن سنةُ الله في خليقته وتصريفه بشؤون عباده ، رأى أن الدول في نموها وبسطتها ما كانت مصونة إلا
هامش
[ 1 ] . يقصد الأفغاني في مهاجمته العنيفة هنا ، بعض الأجانب الذين يسيئون إلى البلاد التي آوتهم . ويدعي أن هجومه لا ينطبق اليوم على الأجانب الذين يحترمون تقاليد البلاد في ظل القومية العربية .