ينبغي ، ويصونوها من الخلل الذي ربما يفضي قليله إلى فساد كبير في الملك ، فهؤلاء الرجال بهذه الخلال هم المنعة الواقية والقوة الغالبة . يسهل على حاكم في أي قبيل أن يكتِّب الكتائب ويجمع الجنود ويوفر العدد من كل نوع بنقد النقود وبذل النفقات ، ولكن من أين يصيب بطانة من أولئك الذين أشرنا إليهم : عقلاء رحماء ، وأباة أصفياء ، تهمهم حاجات الملك كما تهمهم ضرورات حياتهم ؟ لابدّ أو يتبع في هذا الأمر الخطير قانون الفطرة ، ويراعى ناموس الطبيعة ، فإن متابعة هذا الناموس تحفظ الفكر من الخطأ وتكشف له خفيات الدقائق ، وقلما يخطئ في رأيه أو يتأود في عمله من أخذ به دليلًا ، وجعل له من هديه مرشدًا . وإذا نظر العاقل في أنواع الخطأ التي وقعت في العالم الإنساني من كلية وجزئية وطلب أسبابها لا يجد لها من علة سوى الميل عن قانون الفطرة والانحراف عن سنّةالله في خلقه . من أحكام هذا الناموس الثابت أن الشفقة والمرحمة والحمية والنعرة على الملك والرعية ، إنما تكون لمن له في الأمة أصل راسخ ووشيج يشدّ صلته بها ، هذه فطرة فطرالله الناس عليها ، إن الملتحم مع الأمة بعلاقة الجنس أو المشرب يراعي نسبته إليها ونسبتها إليه ويراها لا تخرج عن سائر نسبه الخاصة به فيدفع الضيم عن الداخلين معه في تلك النسبة دفاعه عن حوزته وحريمه ( راجع رأيك فيما تشهده كثيرًا حتى بين العامة عندما يرمي أحدهم أهل البلد الآخر أو دينه بسوء على وجه عام ، كسوري ينتقد المصريين أو مصري ينتقد السوريين ) ، هذا إلى ما يعلمه كل واحد من الأمة أن ما تناله أمته من الفوائد يلحقه حظ منها وما تصيبها من الأرزاء يصيبه سهم منه . خصوصًا إن كان بيده هامات أمورها وفي قبضته زمام التصرف فيها فإن حظه من المنفعة أوفر ومصيبته بالمضرة أعظم ، وسهمه من العار الذي يلحق الأمة أكبر ، فيكون اهتمامه بشؤون الأمة التي هو منها وحرصه على سلامتها بمقدار ما يؤمله من المنفعة أو يخشاه من المضرة . فعلى ولي الأمر في الدولة أن لا يكل شيئًا من عمله إلا إلى أحد رجلين : إما رجل يتصل به في جنسية سالمة من الضعف والتمزيق موقرة في نفوس المنتظمين فيها محترمة في قلوبهم يحملهم توقيرها واحترامها على التفاني في وقايتها من كل شين
العروة الوثقى — صفحة 177
مساهمون: سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني
ص١٧٧