تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العروة الوثقى — صفحة 171

مساهمون:

ص١٧١
معاناة الأوصاب لتحصيل ذلك الشأن في هذه الحياة الأولى ، فما كان يحسبه طالب المجد عائدًا إلى نفسه بالمنفعة ، يبارك فيه مدبر الكون فيفيض خيره على بني جلدته أجمعين . واها ! تلك حكمة بالغة : إذا نال الواحد من الأمة مطلبه من المجد نالت الأمة حظها من السؤدد . نعم وهل نال ما نال إلا بمعونة سائر الآحاد منها : « ذلِك تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ » [ يس : 38 ] . ماذا يستطيع المجاهد وحده ؟ وماذا يكسبه من سعيه ، إن لم يكن له أعضاد من بني قبيله . فمن كان همّه أن يصعد إلى عرش العزة ، ويرقى إلى ذروة السيادة فعليه أن يهيىء نفسه والمنتمين إليه لتحصيل كل ما يعد في العالم الإنساني فضيلة وكمالًا . ما أصعب القيام بخدمة هذا الميل الفطري والإلهام الإلهي ! وما أشدّ ما تحمل النفوس في قضاء بعض الوطر مما يتصل به ! وما أعظم الحامل للأنفس على تجشم المصاعب لنيل ما تميل إليه من هذا الأمر الرفيع ! ما هذا الباعث الشريف الذي يسهل على الأرواح كل صعب ويقرّب كل بعيد ، ويصغر كل عظيم ، ويلين كل خشن ، ويسليها عن جميع الآلام ، ويرضيها بالتعرض للتهلكة ومفارقة الحياة ، فضلًا عن بذل كل نفيس ، والسماح بكل عزيز ! هذا الباعث الجليل ، وهذا الموجب الفعال هو الأمل . الأمل ضياء ساطع في ظلام الخطوب ، ومرشد حاذق في بهماء الكروب ، وعلم هاد في مجاهيل المشكلات ، وحاكم قاهر للعزائم إذا عرتها فترة ، ومستفز للهمم إن عرض لها سكون ، ليس الأمل هو الأمنية والتشهي اللذين يلمحهما الذهن تارة بعد أخرى ، ويعبر عنهما بليت لي كذا من المال وكذا من الفضل مع الركون إلى الراحة والاستلقاء على الفراش ، واللهو بما يبعد عن المرغوب ، كأن صاحبهما يروم أن يبدّل الله سنته في سير الإنسان عناية بنفسه الشريفة أو الخسيسة ، فيسوق إليه ما يهجس بخاطره دون أن يصيب تعبًا أو يتلاقى مشقة ، إنما الأمل رجاء يتبعه عمل ، ويصحبه حمل النفس على المكاره ، وعرك لها في المشاق والمتاعب ، وتوطينها لملاقاة البلاء بالصبر ، والشدائد بالجلد ، وتهوين كل ملم يعرض لها في سبيل الغرض من الحياة حتى يرسخ في مداركها أن الحياة لغو إذا لم تغذ بنيل الأرب ، فيكون بذل الروح أول خطوة يخطوها القاصد فضلًا عن المال الذي لا يقصد منه إلا وقاية بناء الحياة من صدمات حوادث الكون .