تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العروة الوثقى — صفحة 170

مساهمون:

ص١٧٠
الطبقة ودخل في طبقة أخرى ، ونافس أهلها في الجاه ، ولا يزال يتبع سيره ما دام حيا يخطر في بسيط الأرض ، ذلك لأن الكمال الإنساني ليس له حدّ ، ولا تحدّه نهاية ، وليس في استطاعة أحد من الناس أن يقنع نفسه ويعتقد أنه بلغ من الكمال حدا ليست بعده غاية . سبحان الله ماذا أخذت محبة الشرف من قلب الإنسان وماذا ملكت من أهوائه ؟ بعده ثمرة حياته وغاية وجوده ، حتى إنه يحتقر الحياة عند فقده والعجز عن دركه ، أو عند مسه والخوف من سلبه ، أرأيت أن فقيرًا ذا أسمال لا يؤبه له إذا اعتدى عليه من تطول يده إليه بفعلة تهينه ، أو قذفة تشينه ، يغلبه الغضب للدفاع عن المنزلة التي هو فيها فيرتكب مخاطرة ربما تفضي به إلى الموت ، وإن القذف أو الإهانة ما نقصت شيئًا من طعامه ولا شرابه ، ولا خشنت مضجعه في مبيته ، آلاف مؤلفة من الناس في الأجيال المختلفة والأجناس المتنوعة ألقوا بأنفسهم إلى المهالك ، وماتوا دفاعًا عن الشرف أو طلبًا للكرامة والمجد ، جل شأن الله لا يهنأ للإنسان طعام ولا شراب ، ولا يلين له مضجع إلا أن يلحظ فيه أن ما نال منه أعلى مما نال سواه ، مع وقوف بعض من الناس على ذلك ليعترفوا له بالأعلوية فيه ، كأن لذة التغذية والتوليد إنما وضعت لتكون وسيلة للذة المباهاة والمفاخرة ، فما ظنك بسائر اللذائذ . كم يعاني الإنسان من التعب البدني وكم يقاسي من مشاق الأسفار . كم يخاطر بروحه في اقتحام الحروب والمكافحات ، وكم يتحمل في الانقطاع عن اللذات ، مع التمكن منها ، كل ذلك لينال شهرة أو ليكسب فخارًا أو ليحفظ ما أتاه الله منه ، ما أجلّ عناية الله بالإنسان لا يعيش إلا ليشرف فيشرف به العالم ، وكل لذة دون الشرف فهي وسيلة إليه ، بل الحياة الدنيا هي السبيل الوعر يسلكها الحي إلى ما يستطيع من المجد ، وفي نهاية الأجل يفارقها قرير العين بما قارب منه ، آسف الفؤاد على ما قصر عنه . ما هو المجد الذي يسعى إليه الإنسان بالإلهام الإلهي ، ويخوض الأخطار في طلبه ويقارع الخطوب في تحصيله ؟ ! هو شأن تعترف النفوس لصاحبه بالسؤدد ، وتذعن له بالاعتلاء ، وتُلقي إليه قياد الطاعة ، يكون هذا له ولكل من يدخل في نسبته إليه من ذوي قرابته وعشيرته وسائر أمته فتنفذ كلمته إليه وكلمة المتصلين به ، والملتحمين معه في شؤون من سواهم وهو أعظم مكافأة من العزيز الحكيم على
العروة الوثقى — صفحة 170 | سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني / الشيخ محمد عبده