وكما كان الميل للرفعة أمرًا فطريا ، كذلك كان الأمل وثقة النفس بالوصول إلى غاية سعيها من ودائع الفطرة ، غير أن ثبوتهما في فطرة عموم البشر كان داعيًا للمزاحمات والممانعات ، فإن كل واحد بما أودع في جبلته يطلب الكرامة والتمكن في قلب الآخر ، فكل طالب ومطلوب ، ولم تبلغ سعة العقل الإنساني إلى درجة تعين لكل فرد من الأفراد عملًا تكون له به المنزلة العليا في جميع النفوس ، غير ما يكون به للآخر مثل تلك المنزلة حتى يكون جميعهم أمجادًا شرفاء بما يأتون من أعمالهم ، ولكنهم تزاحموا في الآمال والأهواء ، ومسالكهم ضيقة ، ومشارعهم ضنكة ، فنشأت تلك المقاومات والمصادمات بين النوع البشري حكمة من الله ليعلم الذين جاهدوا ويعلم الصابرين . فإذا توالى الصدام على شخص أو قوم حدث في الهمم ضعف وأصابها انحطاط وحصل الفساد في هاتين الخلتين الشريفتين ( الرجاء وطلب المجد ) كما يحصل الفساد في سائر الأخلاق الفاضلة بسوء التربية وربما يؤول الضعف إلى اليأس والقنوط ( نعوذ بالله منهما ) . ماذا يكون حال القانطين المنقطعة آمالهم ، يحكمون على أنفسهم بالحطة ، ويسجلون عليها العجز عن كل رفعة ، فيأتون الدنايا ويتعاطون الرذائل ، ولا ينفرون من الإهانة والتحقير بل يوطنون أنفسهم على قبول ما يوجّه إليهم من ذلك أيا كان ، فتسلب منهم جميع الإحساسات والوجدانات الإنسانية التي يمتاز بها الإنسان عن الأنعام فيرضون بما ترضى به البهائم ، فلا يهتمون إلا بحاجات قبقبهم وذبذبهم ، ثم يا ليتهم يكونون هملًا وسوائب يرعون النبات ، ويتّبعون مواقع الغيث ، ولكنهم وإن تركوا العمل لأنفسهم فالله تعالى يسلّط عليهم من يكلفهم بالعمل لغيرهم ، فيكونون كالنمال الحمالة لا تستفيد مما تحمل شيئًا ، وظيفتها أن تسعى وتشقى ليسعد غيرها ويستريح ، فيعالجون العمل في الفلاحة والصناعة وغيرهما من الأعمال الشاقة ، ويدأبون بأشدّ مما يدأب العامل لنفسه ، ثم لا ينالون مما يعملون شيئًا ، ثمرات كسبهم بأسرها محولة إلى الذين سادوا عليهم بهممهم ( هذا الذي يتجشمه الذليل في ذلة من مشاق الأعمال ومعاناة المكاره لو تحمل بعضًا منه في طلب العزّة لأصاب حظه منها ) بل تصير درجة القانطين عند من سادوا عليهم أدنى من درجة الحيوانات العاملة ، فإن السائدين يشعرون بحكم البداهة ، أن هؤلاء أسقطوا
العروة الوثقى — صفحة 172
مساهمون: سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني
ص١٧٢