الأمل وطلب المجد
« إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكافِرُونَ » [ يوسف : 87 ] . « وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ » [ الحجر : 56 ] . تلك آيات الكتاب الحكيم ، تنبئ عن سرّ عظيم ، اختصّ الله به الإنسان ورفعه به على سائر الأكوان ، ليبلغ به المقام المحمود ، ويحوز ما أعدته له العناية الإلهية من الكمال اللائق به . راجع نفسك ، وأصغ لمناجاة سرك ، تجد في وجدانك ميلًا قويا ، وحرصًا شديدًا ، يدفعك إلى طلب المجد وعلو المنزلة في قلوب أبناء جنسك ، ثم ارفع بصرك إلى سواد أمة بتمامها ، تجد مثل ذلك في كليتها كما هو في آحادها تبتغي رفعة المكانة في نفوس الأمم سواها ، ذلك أمرٌ فطري جبل الله عليه طبيعة هذا النوع منفردًا ومجتمعًا ، ليس من السهل على طالب المجد وعلو المكانة أن يصل إلى ما يطلب ولكنه يلاقي في الوصول إليه وعرًا في السبل ، وعقبات تصد عن المسير ، ومع هذا فلا يضعف حرصه ، ولا ينقص ميله ، يقطع شعابًا ، ويعاني صعابًا ، حتى يرقى ذروة المجد ، ويتنسم شاهق العزة ، ولو قام في وجهه مانع عن الاسترسال في مسيره والتجأ للسكون رأيته يتململ ويتضجر كأنما يتقلب على الرمضاء ، ولو سبر الحكيم الخبير أعمال البشر ، ونسب كل عمل إلى غاية العامل منه ، رأى أن معظمها في طلب الكرامة وعلو المقام ، كل على حسبه وما يتعلق منها بتقويم المعيشة ليس شيئًا مذكورًا بالنسبة لما يتعلق بشؤون الشرف ، هذه خلة ثابتة في الكافة من كل شعب على اختلاف الطبقات من أرباب المهن إلى أصحاب الأمر والنهي ، كل ينافس أهل طبقته في أسباب الكرامة بينهم ويأنف من ضعته فيهم ويحرص على ما يحله من قلوبهم محل الاعتبار ، حتى إذا بلغ الغاية مما به الرفعة عندهم ، تخطى حدود تلك