تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العروة الوثقى — صفحة 173

مساهمون:

ص١٧٣
أنفسهم عن منزلة كانوا يستحقونها بمقتضى الفطرة الإنسانية ورضوا لها بما دون حقها ، بل بما لا يصح أن يكون من شأنها وكفروا نعمة الله في تكوينهم على الشكل الإنساني وإيداعهم ما أودع في أفراد الإنسان فيعاملهم أولئك السادات بما لا يعاملون به ما يقتنون من الحيوانات ، ولنا على ذلك شاهد العيان في الأمم التي أدركها اليأس وسقطت في أيدي الأجانب . ونظن أنه يوجد أقوام آخرون سامهم ساداتهم في الزمن السابق ويسومونهم الآن ما لا تسام به السوائم الراعية وهم على القرب منّا وليسوا ببعيد عنّا . عجبًا كيف تتبدل أحكام الجبلة وكيف يمحى أثر الفطرة ؟ ! كيف تسفل النفس حتى لا تطلب رفعة ؟ ! وكيف تقنط حتى لا يكون لها أمل ؟ ! والأمل وحب الكرامة طبيعيان في الإنسان ، بعد إمعان النظر نجد السبب في ذلك ظن الإنسان أن جميع أعماله إنما تصدر عن قدرته وإرادته بالاستقلال وأن قوّته هي سلطان أعماله وليس فوق يده يد تمده بالمعونة أو تصدّه بالقهر فإذا صادفته الموانع مرة بعد أخرى وقطعت عليه سبيل الوصول لمطلبه رجع إلى قدرته فوجدها فانية ، وقوته فرآها واهنة ، فيعترف بوهنه ، ويسكن إلى عجزه ، فييأس ويقنط ، ويذل ويسفل اعتقادًا منه بأنه لا دافع لتلك الموانع التي تعاصت على قدرته ، ومتى كانت قوة المانع أعظم من قوته فلا سبيل إلى العمل لاستحالة قهر المانع فيقطع الأمل فيقع في الشقاء الأبدي ، أما لو أيقن أن لهذا الكون مدبرًا عظيم القدرة تخضع كل قوة لعظمته ، وتدين كل سطوة لجبروته الأعلى ، وأن ذلك القادر العظيم بيده مقاليد ملكه يصرف عباده كيف يشاء ، لما أمكن مع هذا اليقين أن يتحكم فيه اليأس ، وتغتال آماله غائلة القنوط ، فإن صاحب اليقين لو نظر إلى ضعف قدرته لا يفوته النظر إلى قوة الله التي هي أعلى من كل قوة ، فيركن إليها في أعماله ، ولا يجد اليأس إلى نفسه طريقًا ، فكلما تعاظمت عليه الشدائد زادت همته انبعاثًا في مدافعتها معتمدًا على أن قدرة الله أعظم منها ، وكلما أغلق في وجهه باب فتحت له من الركون إلى الله أبواب ، فلا يمل ولا يكل ، ولا تدركه السآمة ، لاعتقاده أن في قدرة مدبر الكون أن يقهر الأعزاء ، ويلقي قيادهم إلى الأذلاء ، وأن يدك الجبال ويشق البحار ، ويمكن
العروة الوثقى — صفحة 173 | سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني / الشيخ محمد عبده