تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العروة الوثقى — صفحة 174

مساهمون:

ص١٧٤
الضعفاء من نواصي الأقوياء ، وكم كانت لقدرة الله من هذه الآثار ، فتشتد عزيمته ويدأب فيما كلفه الله من السعي لنيل الكمال والفوز بما أعده الله له من السعادة في الأولى والآخرة ، وما كان لموقن بالله وبقدرته وعزته وجبروته أن يقنط وييأس ، ولهذا أخبر الله تعالى عن الواقع والحقيقة التي لا ريبة فيها بما قال وهو أصدق القائلين : « إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكافِرُونَ » [ يوسف : 87 ] ، وبما حكي من قول نبيه إبراهيم : « وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ » [ الحجر : 56 ] ، فقد جعل الله اليأس والقنوط دليلًا على الكفر ، ومن أين يطرق اليأس قلبًا عقد على الإيمان بالله وقدرته الكاملة ؟ ! لهذا نقول إن المسلمين لا يسمح لهم يقينهم بالله وبما جاء به محمد عليه الصلاة والسلام أن يقنطوا من رحمة ربهم في إعادة مجدهم مع كثرة عددهم ، ولا يسوغ لهم أيمانهم أن يرضخوا للذل ، ويرضوا للضيم ، ويتقاعدوا عن إعلاء كلمتهم وهم إلى الآن محفوظون مما ابتلي به كثير من الأمم ، فإن لهم ملوكًا عظامًا ، ولا يزال في أيديهم ملك عظيم على بسيط الأرض ، وإن من الحق أن نقول إن أبواب رحمة الله مفتحة لديهم وما عليهم سوى أن يلجوها ، وإن روح الله نافحة عليهم وما يلزمهم سوى أن يستنشقوها والفرص دائمًا تمد أيديها إليهم تطلب إنهاضهم وتنبه غافلهم وتوقظ نائمهم ، وليس عليهم في استرجاع مكانتهم الأولى والصعود إلى مقامهم الأول إلا أن يجمعوا كلمتهم ويتعاونوا على ما يقصدون من إعزاز ملّتهم ، وذلك أيسر ما يكون عليهم ، بعد تمكن الجامعة الدينية بينهم ، فأي موجب لليأس وأيّ داعٍ للقنوط وبين أيديهم كتاب الله الناطق بأن اليأس من أوصاف الضالين ، وهل توجد واسطة بين الرشد والغي ؟ « فَما ذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ » [ يونس : 32 ] ، هل يكون للقانطين فيهم من عذر ؟ أيرضون بالعبودية للأجانب بعد تلك السيادة العليا ؟ ماذا يبتغون من الحياة إن كانت في ذل وإهانة وفقر وفاقة وشقاء دائم بيد عدو غاشم ؟ أيطمئنون وهم بين أجنبي حاكم ، وبغيض شامت ، ومقبح غبي ، ومشنع دني ، ومعير خسيس ، يرمونهم بضعف العقول ونقص الاستعداد ، ويحكمون بأن محالًا عليهم أن يصيروا أمة في عداد الأمم ، ألم ينسلخ الإنسان عن كل خاصة انسانية ؟ !