تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العروة الوثقى — صفحة 141

مساهمون:

ص١٤١
المسلمين بصفات ونسبوا إليهم أطوارًا ، ثم حصروا علّتها في الاعتقاد بالقدر فقالوا : إن المسلمين في فقر وفاقة وتأخّر في القوة الحربية والسياسية عن سائر الأمم ، وقد فشا فيهم فساد الأخلاق فكثر الكذب والنفاق والخيانة والتحاقد والتباغض ، وتفرّقت كلمتهم وجهلوا أحوالهم الحاضرة والمستقبلة وغفلوا عمّا يضرّهم وما ينفعهم ، وقنعوا بحياة يأكلون فيها ويشربون وينامون ثم لا ينافسون غيرهم في فضيلة ، ولكن متى أمكن لأحدهم أن يضرّ أخاه لا يقصرّ في إلحاق الضرر به ، فجعلوا بأسهم بينهم والأمم من ورائهم تبتلعهم لقمة بعد أخرى ، رضوا بكل عارض ، واستعدوا لقبول كل حادث ، وركنوا إلى السكون في كسور بيوتهم ، يسرحون في مرعاهم ، ثم يعودون إلى مأواهم ، الأمراء فيهم يقطعون أزمنتهم في اللهو واللعب ومعاطاة الشهوات ، وعليهم فروض وواجبات تستغرق في أدائها أعمارهم ولا يؤدون منها شيئًا . يصرفون أموالهم فيما يقطعون به زمانهم إسرافًا وتبذيرًا ، نفقاتهم واسعة ، ولكن لا يدخل في حسابها شيء يعود على ملّتهم بالمنفعة ، يتخاذلون ويتنافرون ، وينوطون المصالح العمومية بمصالحهم الخصوصية ، فرب تنافر بين أميرين يضيع أمّة كاملة ، كل منهما يخذل صاحبه ، ويستعدي عليه جاره ، فيجد الأجنبي فيهما قوة فانية وضعفًا قاتلًا فينال من بلادهما ما لا يكلّفه عددًا ولا عدة ، شملهم الخوف وعمّهم الجبن والخور يفزعون من الهمس ، ويألمون من اللمس ، قعدوا عن الحركة إلى ما يلحقون به الأمم في العزة والشوكة ، وخالفوا في ذلك أوامر دينهم ، مع رؤيتهم لجيرانهم ، بل الذين تحت سلطتهم ، يتقدمون عليهم ويباهونهم بما يكسبون ، وإذا أصاب قومًا من إخوانهم مصيبة أو عدت عليهم عادية لا يسعون في تخفيف مصابهم ، ولا ينبعثون لمناصرتهم ، ولا توجد فيهم جمعيات ملية كبيرة لا جهرية ولا سرية ، يكون من مقاصدها إحياء الغيرة ، وتنبيه الحمية ، ومساعدة الضعفاء ، وحفظ الحق من بغي الأقوياء وتسلّط الغرباء . هكذا نسبوا إلى المسلمين هذه الصفات وتلك الأطوار ، وزعموا أن لا منشأ لها إلا اعتقادهم بالقضاء والقدر وتحويل جميع مهماتهم على القدرة الإلهية ، وحكموا بأن المسلمين لو داموا على هذه العقيدة فلن تقوم لهم قائمة ، ولن ينالوا عزا ولن يعيدوا مجدًا ، ولا يأخذون بحق ، ولا يدفعون تعديًا ، ولا ينهضون بتقوية سلطان ،