الاعتقاد بالقضاء والقدر إذا تجرّد عن شناعة الجبر يتبعه صفة الجرأة والإقدام ، وخلق الشجاعة والبسالة ، ويبعث على اقتحام المهالك التي توجف لها قلوب الأسود ، وتنشق منها مرائر النمور . هذا الاعتقاد يطبع الأنفس على الثبات ، واحتمال المكاره ، ومقارعة الأهوال ، ويحليها بحلى الجود والسخاء ، ويدعوها إلى الخروج من كل ما يعز عليها ، بل يحملها على بذل الأرواح ، والتخلي عن نضرة الحياة ، كل هذا في سبيل الحق الذي قد دعاها للاعتقاد بهذه العقيدة . الذي يعتقد بأن الأجل محدود ، والرزق مكفول ، والأشياء بيد الله يصرفها كما يشاء ، كيف يرهب الموت في الدفاع عن حقه وإعلاء كلمة أمته ، أو ملّته ، والقيام بما فرض الله عليه من ذلك ؟ وكيف يخشى الفقر مما ينفق من ماله في تعزيز الحق وتشييد المجد ، على حسب الأوامر الإلهية ، وأصول الاجتماعات البشرية . امتدح الله المسلمين بهذا الاعتقاد مع بيان فضيلته في قوله الحق : « الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيماناً وقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ ونِعْمَ الْوَكِيلُ ( 173 ) فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ واتَّبَعُوا رِضْوانَ اللَّهِ واللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ » [ آل عمران : 173 ، 174 ] ، اندفع المسلمون في أوائل نشأتهم إلى الممالك والأقطار يفتحونها ويتسلّطون عليها ، فأدهشوا العقول وحيروا الألباب مما دوخوا الدول وقهروا الأمم ، وامتدت سلطتهم من جبال بيريني الفاصلة بين إسپانيا وفرنسا إلى جدار الصين ، مع قلة عدتهم وعددهم ، وعدم اعتيادهم على الأهوية المختلفة ، وطبائع الأقطار المتنوعة ، أرغموا الملوك ، وأذلوا القياصرة والأكاسرة ، في مدة لا تتجاوز ثمانين سنة . إن هذا ليعد من خوارق العادات وعظائم المعجزات . دمروا بلادًا ، ودكدكوا أطوادًا ، ورفعوا فوق الأرض أرضًا ثانية من القسطل ، وطبقة أخرى من النقع ، وسحقوا رؤوس الجبال تحت حوافر جيادهم ، وأقاموا بدلها جبالًا وتلالًا من رؤوس النابذين لسلطانهم ، وأرجفوا كل قلب ، وأرعدوا كل فريصة ، وما كان قائدهم وسائقهم إلى جميع هذا إلا الاعتقاد بالقضاء والقدر . هذا الاعتقاد هو الذي ثبتت به أقدام بعض الأعداد القليلة منهم أمام جيوش يغص بها الفضاء ، ويضيق بها بسيط الغبراء ، فكشفوهم عن مواقعهم ، وردوهم على أعقابهم .
العروة الوثقى — صفحة 144
مساهمون: سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني
ص١٤٤