تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العروة الوثقى — صفحة 138

مساهمون:

ص١٣٨
يعلم أولئك المسلمون أنهم بهذا يشقون عصاهم ، ويفسدون شأنهم ، ويخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المارقين ، يطلبون محو التعصب المعتدل ، وفي محوه محو الملّة ودفعها إلى أيدي الأجانب يستعبدونها ما دامت الأرض أرضا والسماء سماء . والله ما عجبنا من هؤلاء وهؤلاء بأشد من العجب لأحوال الغريبين من الأمم الإفرنجية الذين يفرغون وسعهم لنشر هذه الأفكار بين الشرقيين ولا يخجلون من تبشيع التعصب الدين ورمي المتعصبين بالخشونة . . الإفرنج أشدّ الناس في هذا النوع من التعصب وأحرصهم على القيام بدواعيه ، ومن القواعد الأساسية في حكوماتهم السياسية الدفاع عن دعاة الدين والقائمين بنشره ومساعدتهم على نجاح أعمالهم ، وإذا عدت عادية مما لا يخلو عنه الاجتماع البشري على واحد ممن على دينهم ومذاهبهم في ناحية من نواحي الشرق سمعت صياحاً وعويلًا وهيعات ونياءات تتلاقى أمواجها في جو بلاد المدنية الغربية وينادي جميعهم : ألا قد ألمت ملمة ، وحدثت حادثة مهمة ، فأجمعوا الأمر وخذوا الأهبة لتدارك الواقعة والاحتياط من وقوع مثلها حتى لا تنخدش الجامعة الدينية . وتراهم على اختلافهم ، في الأجناس وتباغضهم ، وتحاقدهم وتنابذهم في السياسات ، وترقب كل دولة منهم ، لعثرة الأخرى حتى توقع بها السوء يتقاربون ويتآلفون ويتّحدون في توجيه قواهم الحربية والسياسية لحماية من يشاكلهم في الدين ، وإن كان في أقصى قاصية من الأرض ، ولو تقطعت بيته وبينهم الأنساب الجنسية . أما لو فاض طوفان الفتن وطم وجه الأرض وغمر البسيطة من دماء المخالفين لهم في الدين والمذهب ، فلا ينبض فيه عرق ولا يتنبّه لهم إحساس ، بل يتغافلون عنه ويذرونه وما يجرف حتى يأخذ مده الغاية من حدّه ، ويذهلون عمّا أودع في الفطر البشرية من الشفقة الإنسانية والمرحمة الطبيعية ، كأنما يعدون الخارجين عن دينهم ، من الحيوانات السائمة والهمل الراعية ، وليس من نوع الإنسان الذي يزعم الأوروپيون أنه حماته وأنصاره ، وليس هذا خاصا بالمتدينين منهم ، بل الدهريون ومن لا يعتقدون بالله وكتبه ورسله يسابقون المتدينين في تعصبهم الديني ، ولا يألون جهدًا في تقوية عصبيتهم وليتهم يقفون عند الحق ، ولكن كثيرًا ما تجاوزوه . أما إن شأن الإفرنج في تمسكهم بالعصبية الدينية لغريب !
العروة الوثقى — صفحة 138 | سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني / الشيخ محمد عبده