تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العروة الوثقى — صفحة 139

مساهمون:

ص١٣٩
يبلغ الرجل منهم أعلى درجة في الحرية كجلادستون ، ثم لا تجد كلمة تصدر عنه إلا وفيها نقثة من روح بطرس الراهب [ 1 ] بل لا ترى روحه إلا نسخة من روحه ، ( انظر إلى كتب جلادستون وخطبه السابقة ) . فيا أيتها الأمة المرحومة هذه حياتكم فاحفظوها ، ودماؤكم فلا تريقوها ، وأرواحكم فلا ترهقوها ، وسعادتكم فلا تبيعوها بثمن دون الموت . هذه هي روابطكم الدينية لا تغرنكم الوساوس ولا تستهوينكم الترهات ، ولا تدهشكم زخارف الباطل ، ارفعوا غطاء الوهم عن باصرة الفهم ، واعتصموا بحبال الرابطة الدينية التي هي أحكم رابطة اجتمع فيها العربي بالتركي ، والفارسي بالهندي ، والمصري بالمغربي ، وقامت لهم مقام الرابطة النسبية ، حتى إن الرجل منهم ليألم لما يصيب أخاه من عاديات الدهر وإن تناءت دياره ، وتقاصت أقطاره . هذه صلة من أمتن الصلات ساقها الله إليكم ، وفيها عزّتكم ومنعتكم وسلطانكم وسيادتكم فلا توهنوها ، ولكن عليكم في رعايتها أن تخضعوا لسطوة العدل ، فالعدل أساس الكون وبه قوامه ولا نجاح لقوم يزدرون العدل بينهم ، وعليكم أن تتقوا الله وتلزموا أوامره في حفظ الذمم ، ومعزمة الحقوق لأربابها ، وحسن المعاملة وإحكام الألفة في النافع الوطنية بينكم وبين أبناء أوطانكم وجيرانكم من أرباب الأديان المختلفة ، فإن مصالحكم لا تقوم إلا بمصالحهم ، كما لا تقوم مصالحهم إلا بمصالحكم ، وعليكم أن لا تجعلوا عصبة الدين وسيلة للعدوان ، وذريعة لانتهاك الحقوق ، فإن دينكم ينهاكم عن ذلك ويوعدكم عليه بأشدّ العقاب . هذا ولا تجعلوا عصبيتكم قاصرة على مجرد ميل بعضكم لبعض ، بل تضافروا بها على مباراة الأمم في القوة والمنعة والشوكة والسلطان ومنافستهم في اكتساب العلوم النافعة والفضائل والكمالات الإنسانية . اجعلوا عصبيتكم سبيلا لتوحيد كلمتكم ، واجتماع شملكم ، وأخذ كل منكم بيد أخيه ليرفعه من هوّة النقص إلى ذروة الكمال وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان .
هامش
[ 1 ] . هو داعية الحرب الصليبة .