تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العروة الوثقى — صفحة 142

مساهمون:

ص١٤٢
أو تأييد ملك ، ولا يزال بهم الضعف يفعل في نفوسهم ، ويركس من طباعهم ، حتى يؤدي بهم إلى الفناء والزوال ( والعياذ بالله ) يفني بعضهم بعضًا بالمنازعات الخاصة ، وما يسلم من أيدي بعضهم يحصده الأجانب . واعتَقَدَ أولئك الإفرنج أنه لا فرق بين الاعتقاد بالقضاء والقدر وبين الاعتقاد بمذهب الجبرية القائلين بأن الإنسان مجبور محض في جميع أفعاله ، وتوهموا أن المسلمين بعقيدة القضاء يرون أنفسهم كالريشة المعلّقة في الهواء تقلبها الرياح كيفما تميل ، ومتى رسخ في نفوس قوم أنه لا خيار لهم في قول ولا عمل ، ولا حركة ولا سكون ، وإنما جميع ذلك بقوة جابرة ، وقدرة قاسرة ، فلا ريب تتعطل قواهم ، ويفقدون ثمرة ما وهبهم الله من المدارك والقوى ، وتمحى من خواطرهم داعية السعي والكسب ، وأجدر بهم بعد ذلك أن يتحوّلوا من عالم الوجود إلى عالم العدم . هكذا ظنت طائفة من الإفرنج ، وذهب مذهبها كثيرون من ضعفاء العقول في المشرق ، ولست أخشى أن أقول : كذب الظان وأخطأه الوهم وبطل الزاعم وافتروا على الله والمسلمن كذبًا ، لا يوجد مسلم في هذا الوقت من سني وشيعي وزيدي وإسماعيلي ووهابي وخارجي يري مذهب الجبر المحض ، ويعتقد سلب الاختيار عن نفسه بالمرة ، بل كل من هذه الطوائف المسلمة يعتقدون بأن لهم جزاء اختياريا في أعمالهم ويسمى بالكسب وهو مناط الثواب والعقاب عند جميعهم ، وأنهم محاسبون بما وهبهم الله من هذا الجزاء الاختياري ومطالبون بامتثال جميع الأوامر الإلهية ، والنواهي الربانية ، الداعية إلى كل خير ، الهادية إلى كل فلاح ، وأن هذا النوع من الاختيار وهو مورد التكليف الشرعي ، وبه تتم الحكمة والعدل . نعم كان بين المسلمين طائفة تسمى بالجبرية ذهبت إلى أن الإنسان مضطر في جميع أفعاله اضطرارًا لا يشوبه اختيار وزعمت أن لا فرق بين أن يحرك الشخص فكّه للأكل والمضع وبين أن يتحرك بقفقفة البرد عند شدّته ، ومذهب هذه الطائفة يعدّه المسلمون من منازع السفسطة الفاسدة ، وقد انقرض أرباب هذا المذهب في أواخر القرن الرابع من الهجرة ولم يبقَ لهم أثر ، ، وليس الاعتقاد بالقضاء والقدر هو عين الاعتقاد بالجبر ، ولا من مقتضيات ذلك الاعتقاد ما ظنه أولئك الواهمون .